تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
وقال كردم بن أبي السائب : خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم فآواني المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء الذئب ، فحمل حملا من الغنم ، فقال الراعي : يا عامر الوادي جارك اللّه ، فنادى مناد : يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة ، فأنزل اللّه تعالى على رسوله السيد الكامل المكمل سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم بمكة : « وأنّه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ فزادوهم رهقا » ، أي : زاد الجنّ الإنس رهقا ، أي : خطيئة ، وإنما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي اللّه عنهم « 1 » . والرّهق : الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم ، ورجل رهق إذا كان كذلك ، ومنه قوله :
وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
[ يونس : 27 ] ؛ وقال الأعشى : [ البسيط ]
4895 - لا شيء ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا « 2 »
يعني إثما ، ورجل مرهق ، أي : يغشاه السائلون . قال الواحديّ : الرّهق : غشيان الشيء ، ومنه قوله تعالى :
تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
. وأضيفت الزيادة إلى الجن إذ كانوا سببا لها . وقال مجاهد أيضا : « فزادوهم » أي : أن الإنس زادوا الجنّ طغيانا بهذا التعوذ ، حتى قالت الجنّ : « سدنا الإنس والجن » « 3 » . وقال قتادة أيضا ، وأبو العالية والربيع وابن زيد : ازداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن « 4 » . وقال سعيد بن جبير : كفرا . ولا يخفى أنّ الاستعاذة بالجنّ دون الاستعاذة باللّه شرك وكفر . وقيل : لا يطلق لفظ الرجال على الجنّ ، فالمعنى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شرّ الجنّ برجال من الإنس وكان الرجل من الإنس يقول مثلا : أعوذ بحذيفة بن بدر من جنّ هذا الوادي . قال القشيريّ : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرّجال على الجن . وقوله :
« مِنَ الْإِنْسِ »
صفة ل « رجال » وكذلك قوله
« مِنَ الْجِنِّ »
.
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 263 ) عن قتادة وابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 432 ) وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد . ( 2 ) ينظر : القرطبي 19 / 8 ، والبحر 8 / 341 ، وروح المعاني 29 / 106 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 432 ) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 264 ) عن الربيع بن أنس وابن زيد . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 433 ) عن الربيع بن أنس وعزاه إلى عبد بن حميد .