تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨

فصل في تفسير الآية « 1 » [ « يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ »

] قال الحسن ، والضحاك ، وابن زيد :
« يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ »
أي : يقيمون على الشرك « 2 » . وقال قتادة ومجاهد : الذّنب العظيم الذي لا يتوبون منه « 3 » . وقال الشّعبي : هو اليمين الغموس ، وهي من الكبائر ، يقال : حنث في يمينه ، أي : لم يبرّها ورجع فيها ، وكانوا يقسمون أن لا بعث ، وأن الأصنام أنداد اللّه فذلك حنثهم .

فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة

قال ابن الخطيب « 4 » : والحكمة في ذكره سبب عذابهم ، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم ، فلم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين ، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل ، والعقاب منه عدل ، والفضل سواء ذكر سببه ، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم . وأمّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلما ، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
كما قاله في السّابقين ؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل ، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه . واعلم أن المترف هو المنعم ، وذلك لا يوجب ذمّا ، وإنما حصل لهم الذم بقوله :
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ،
فإن صدور المعاصي ممن كثرت النّعم عليه [ من ] أقبح القبائح ، فقال :
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ،
ولم يشكروا نعم اللّه ، بل أصروا على الذنب العظيم . وفي الآية مبالغة « 5 » ؛ لأن قوله :
وَكانُوا يُصِرُّونَ
يقتضي أن ذلك عادتهم ، والإصرار على مداومة المعصية والحنث أبلغ من الذنب ؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة ، ويدل على ذلك قولهم : « بلغ الحنث » أي : بلغ مبلغا تلحقه فيه الكبيرة . وأما الصغيرة فتلحق الصغير ، فإن وليّه يعاقبه على إساءة الأدب ، وترك الصلاة ، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة . قاله ابن الخطيب « 6 » . قوله تعالى :
وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا
الآية .
هامش
( 1 ) ينظر القرطبي 17 / 138 . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 11 / 648 ) عن الضحاك وابن زيد . ( 3 ) ينظر المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 29 / 148 . ( 5 ) الفخر الرازي 29 / 149 . ( 6 ) السابق 29 / 150 .