فصل [ في أن المراد بإخلاص الدين : الطاعة ]
المراد بإخلاص الدين الطاعة ،
« أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ »
قال قتادة : شهادة أن لا إله إلا اللّه « 1 » . واعلم أنّ العبادة فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول يؤتى به لمجرد « 2 » اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب الانقياد له وأما الإخلاص فهو أن أن يكون الداعي إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد الانقياد والامتثال ، واحتج قتادة بما روي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : لا إله إلّا اللّه حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي « 3 » وهذا قول من يقول لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا ينتفع بالطاعة مع الكفر ، وقال الأكثرون الآية متناولة لكل ما يخلق « 4 » اللّه به من الأوامر والنواهي لأن قوله تعالى
« فَاعْبُدِ اللَّهَ »
عام « 5 » .
وروي أن امرأة الفرزدق لما قربت وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها ، فلما دفنت قال الحسن للفرزدق : أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر ؟ قال شهادة أن لا إله إلّا اللّه . قال الحسن : هذا العمود فأين الطّنب « 6 » ؟ فبين هذا « 7 » اللفظ الوجيز أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة . قال القاضي « 8 » : فأما ما يروى أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال لمعاذ وأبي الدرداء : وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن ، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجورا عن الزّنا والسّرقة ويكون إغراء له بفعل القبيح ، وذلك ينافي حكمة اللّه ، وهذا يدل على أن اعتقاد فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين ، هذا تمام قول القاضي .
قال ابن الخطيب : فيقال له : أمّا قولك : إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] وقال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ
[ الرعد : 6 ] كما يقال :
رأيت الأمير على أكله وشربه أي حين كونه آكلا وشاربا . وقال :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر : 53 ] وأما قوله : إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح فيقال له : إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلا . وهذا
هامش
( 1 ) تفسير البغوي 6 / 67 .
( 2 ) في ب بمجرد .
( 3 ) أورده الرازي في تفسيره 26 / 238 .
( 4 ) في ب والرازي : كلف .
( 5 ) انظر : الرازي السابق 26 / 237 و 238 .
( 6 ) الطّنب والطّنب معا : حبل الخباء والسّرادق ونحوهما ، وأطناب الشّجر عروق تتشعّب من أرومتها ، وقيل : الطنب : الوتد والجمع أطناب وطنبة ، وخباء مطنّب ورواق مطنّب أي مشدود بالأطناب وفي الحديث : « ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها » . اللسان : « ط ن ب » والمحكم « طنب » كذلك .
( 7 ) في ب لهذا .
( 8 ) هو القاضي عبد الجبار من أكابر المعتزلة وقد سبقت ترجمته .