تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ »
إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ، ويدل عليه قوله تعالى :
« الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ »
فأشار إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ »
فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء فان الشرائع بها البقاء ولولا شرع ينقاد له لاتّبع كلّ واحد هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والتّفاني وقال ههنا :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »
إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
[ سبأ : 1 ] وقال في الملائكة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ فاطر : 1 ] إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى :
« جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا »
أي يوم القيامة يرسلهم اللّه مسلمين على المسلمين كما قال تعالى :
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
[ الأنبياء : 103 ] وقال تعالى عنهم :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
[ الزمر : 73 ] وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر نعمتين أشار بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الفاتحة : 1 ] إلى النعمة العاجلة ، وأشار بقوله :
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
إلى النعمة الآجلة ، فرتب الافتتاح والاختتام عليهما . فإن قيل : قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلماذا ذكر اللّه السماوات والأرض ؟ فالجواب : أن نعم الآخرة غير مرئية فذكر اللّه النعم المرئية وهي ما في السماوات وما في الأرض ثم قال :
« وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ »
لتنقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها « 1 » . قوله :
« الَّذِي لَهُ »
يجوز فيه أن يكون تابعا وأن يكون مقطوعا نصبا ورفعا على المدح فيهما « 2 » و
« ما فِي السَّماواتِ »
يجوز أن يكون فاعلا به وهو الأحسن وأن يكون مبتدأ « 3 » . قوله :
« فِي الْآخِرَةِ »
يجوز أن يتعلق بنفس الحمد ، وأن يتعلق بما تعلق به خبره ( وهو الحكيم ) « 4 » يجوز أن يكون معترضا « 5 » إذا أعربنا « يعلم » حالا مؤكدة من ضمير الباري تعالى ، ويجوز أن يكون « يعلم » مستأنفا ، وأن يكون حالا من الضمير في « الخبير » .

فصل [ في معنى الآية : « لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ . . »

] له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا وله الحمد في الآخرة كما هو له في
هامش
( 1 ) تفسير الرازي 25 / 238 . ( 2 ) الدر المصون 4 / 407 . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) السابق وقد قال أبو البقاء في التبيان 1062 : قوله تعالى :« فِي الْآخِرَةِ »يجوز أن يكون ظرفا العامل فيه الحمد ، أو الظرف وأن يكون حالا من الحمد والعامل فيه الظرف . ( 5 ) الدر المصون 4 / 407 والتبيان 1062 ومشكل إعراب القرآن 2 / 203 والبيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري 2 / 374 .