في « بعضها » أن تكون بدلا من « ظلمات » « 1 » ورد عليه من حيث المعنى ، ( إذ المعنى ) « 2 » على الإخبار بأنها ظلمات ، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفا لها بالتّراكم ، لا أنّ المعنى أنّ بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلمات متراكمة « 3 » .
وفيه نظر ، إذ لا فرق بين قولك : بعض الظلمات فوق بعض ، وبين قولك :
الظلمات بعضها فوق بعض ، وإن تخيّل ذلك في بادىء الرأي .
قوله :
« إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها »
. تقدم الكلام في « كاد » وأنّ بعضهم زعم أنّ نفيها إثبات وإثباتها نفي ، وتقدمت أدلة ذلك في البقرة عند قوله :
« وَما كادُوا يَفْعَلُونَ »
« 4 » .
وقال الزمخشري هنا : ( لم يكد يراها ) مبالغة في ( لم يرها ) أي : لم يقرب أن يراها فضلا ( عن ) « 5 » أن يراها ، ومنه قوله ذي الرمة :
3837 - إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح « 6 »
أي : لم يقرب من البراح فما باله يبرح « 7 » . وقال أبو البقاء : اختلف الناس في تأويل هذا الكلام ، ومنشأ الاختلاف فيه أنّ موضوع « كاد » إذا نفيت وقوع الفعل ، وأكثر المفسرين على أن المعنى : أنه لا يرى يده « 8 » ، فعلى هذا في « 9 » التقدير ثلاثة أوجه :
أحدها : أن التقدير : لم يرها ولم يكد ، ذكره جماعة من النحويين « 10 » ، وهذا خطأ لأن قوله : « لم يرها » جزم بنفي الرؤية ، وقوله : « لم يكد » إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير : ولم يكد يراها ، كما هو مصرّح به في الآية ، فإن أراد هذا القائل أنه لم يكد يراها وأنه يراها بعد جهد ، تناقض ، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها .
وإن كان معنى « 11 »
« لَمْ يَكَدْ يَراها »
لم يرها البتّة على خلاف الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدّر « لم يرها » « 12 » .
هامش
( 1 ) قال الحوفي : ( « ظلمات » رفع على إضمار مبتدأ ، أي : تلك أو هي و « بعضها » بدل من « ظلمات » ) البرهان 6 / 251 .
( 2 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 3 ) انظر البحر المحيط 6 / 467 .
( 4 ) [ البقرة : 71 ] ، انظر اللباب 1 / 179 .
( 5 ) عن : تكملة من الكشاف .
( 6 ) البيت من بحر الطويل قاله ذو الرمة وقد تقدم .
( 7 ) الكشاف 3 / 78 - 79 .
( 8 ) في ب : هذه .
( 9 ) في : سقط من ب .
( 10 ) منهم أبو عبيدة ، انظر مجاز القرآن 2 / 67 ، والزجاج ، انظر معاني القرآن وإعرابه 4 / 48 .
( 11 ) في الأصل : المعنى .
( 12 ) قال الأخفش : ( وقوله :« إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها »حمل على المعنى ، وذلك أنه لا يراها ، وذلك أنك إذا قلت : كاد يفعل : إنما تعني قارب الفعل ولم يفعل ، فإذا قلت لم يكد يفعل كان المعنى أنه لم -