تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
أحدها : أن العبادة غاية التّعظيم ؛ فلا يستحقّها إلّا من له غاية الإنعام ، وهو الإله الذي منه أصول النّعم ، وفروعها على ما [ تقدّم ] « 1 » في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
[ آل عمران : 51 ] ، وقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] ، وكما أنّه لا يجوز الاشتغال بشكرها ، لمّا لم يكن منعمة ، وجب ألّا يجوز الاشتغال بعبادتها . وثانيها : أنّها إذا لم تسمع ، ولم تبصر ، ولم تميّز من يطيعها عمّن يعصيها ، فأيّ فائدة في عبادتها ، وهذا تنبيه على أنّ الإله يجب أن يكون عالما بكلّ المعلومات . وثالثها : أنّ الدّعاء مخّ العبادة ، فإذا لم يسمع الوثن دعاء الدّاعي ، فأيّ منفعة في عبادته ؟ وإذا لم يبصر تقرّب من يتقرّب إليه ، فأيّ منفعة في ذلك التّقرّب ؟ . ورابعها : أنّ السّامع المبصر الضّار النّافع أفضل ممن كان عاريا عن كلّ ذلك ، والإنسان موصوف بهذه الصّفات ؛ فيكون أفضل ، وأكمل من الوثن ، فكيف يليق بالأفضل عبوديّة الأخسّ ؟ . وخامسها : إذا كانت لا تنفع ، ولا تضرّ ، فلا يرجى منها منفعة ، ولا يخاف من ضررها ، فأيّ فائدة في عبادتها ؟ ! . وسادسها : إذا كانت لا تحفظ نفسها عن الكسر والإفساد ، حين جعلها إبراهيم - صلوات اللّه وسلامه عليه - جذاذا ، فأيّ رجاء فيها للغير ؟ ! ، فكأنّه - صلوات اللّه عليه - قال : ليست الإلهيّة إلّا لربّ يسمع ويبصر ، ويجيب دعوة الدّاعي ، إذا دعاه . فإن قيل : إمّا أن يقال : إنّ أبا إبراهيم - صلوات اللّه عليه - كان يعتقد في تلك الأوثان أنّها آلهة قادرة ، مختارة ، خالقة . أو يقال : إنّه ما كان يعتقد ذلك ؛ بل كان يعتقد أنّها تماثيل للكواكب ، والكواكب هي الآلهة المدبّرة للعالم ؛ فتعظيم تماثيل الكواكب يوجب تعظيم الكواكب . أو كان يعتقد أنّ هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظّمة عند اللّه من البشر ، فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم عند اللّه . أو كان يعتقد أن تلك الأوثان طلّسمات ركّبت بحسب اتّصالات مخصوصة للكواكب ، قلّما يتّفق مثلها ، أو لغير ذلك . فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأوّل ، كان في نهاية الجنون ؛ لأنّ العلم بأنّ هذا الخشب المنحوت في هذه السّاعة ليس خالقا للسّموات والأرض من أجلى العلوم الضروريّة ، فالشّاكّ فيه يكونه مجنونا ، والمجنون لا يناظر ، ولا يورد عليه الحجّة ، وإن كان من القسم الثاني ، فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك ؛ لأنّ ذلك المذهب إنما
هامش
( 1 ) في ب : تقرر .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب