تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
غار ، ومكث أربعين يوما ؛ حتّى طهرت من نفاسها ، ثم حملته مريم إلى قومها ، فكلّمها عيسى في الطّريق ؛ فقال : يا أمّاه ، أبشري ؛ فإنّي عبد اللّه ، ومسيحه ، فلما دخلت على أهلها ومعها الصّبيّ ، بكوا ، وحزنوا ، وكانوا أهل بيت صالحين ؛ فقالوا
يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
عظيما منكرا . قال أبو عبيدة : كلّ أمر فائق من عجب ، أو عمل ، فهو فريّ ؛ وهذا منهم على وجه الذّمّ ، والتّوبيخ ؛ لقولهم بعده :
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا .
قوله تعالى :
يا أُخْتَ هارُونَ
يريدون : يا شبيهة هارون ، قال قتادة ، وكعب ، وابن زيد ، والمغيرة بن شعبة - رضي اللّه عنهم - : كان هارون رجلا صالحا عابدا مقدّما في بني إسرائيل ، روي أنّه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا ، كلّهم يسمّى هارون من بني إسرائيل سوى سائر النّاس ، شبّهوها به على معنى أنّنا ظننّا أنّك مثله في الصّلاح ، وليس المراد منه الأخوّة في النّسب ؛ كقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
« 1 » [ الإسراء : 27 ] . روى المغيرة بن شعبة - رضي اللّه عنه - قال : لما قدمت [ خراسان ] « 2 » سألوني ، فقالوا : إنّكم تقرءون :
يا أُخْتَ هارُونَ
وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ، فلمّا قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سألته عن ذلك ، فقال : إنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصّالحين قبلهم « 3 » . قال ابن كثير : وأخطأ محمّد بن كعب القرظيّ في زعمه أنّها أخت موسى وهارون نسبا ؛ فإنّ بينهما من الدّهور الطّويلة ما لا يخفى على من عنده أدنى علم ، وكأنّه غرّه أنّ في التّوراة أن مريم - أخت موسى ، وهارون - ضربت بالدّفّ يوم نجّى اللّه موسى وقومه ، وغرق فرعون وجنوده ، فاعتقد أنّ هذه هي تلك ، وهذا في غاية البطلان ومخالفة للحديث الصحيح المتقدّم . وقال الكلبيّ : كان هارون أخا مريم من أبيها ، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل « 4 » . وقال السّديّ : إنّما عنوا به هارون أخا موسى « 5 » ؛ لأنّها كانت من نسله ، كما يقال
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الطبري ( 8 / 335 ) والماوردي ( 3 / 368 - 369 ) والبغوي ( 3 / 193 - 194 ) والقرطبي ( 11 / 68 ) . ( 2 ) في ب : نجران . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1685 ) والترمذي ( 2 / 144 ) وأحمد ( 4 / 252 ) والنسائي في « الكبرى » ( 6 / 393 ) . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 486 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وابن مردويه والبيهقي في « الدلائل » . ( 4 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 194 ) . ( 5 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 486 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن السدي وأخرجه الطبري ( 8 / 336 ) وينظر : المصدر السابق .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 53 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب