تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
ثمّ أخبر اللّه تعالى أنّه حقّق ما قدره هذا المؤمن ، فقال :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ
أي : أحاط العذاب بثمر جنته ، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليّة ، وأصله من إحاطة العدوّ ؛ لأنّه إذا أحاط به ، فقد استولى عليه ، ثمّ استعمل في كلّ إهلاك ، ومنه قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
[ يوسف : 66 ] . قوله :
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ
: قرىء « 1 » « تقلّب كفّاه » ، أي : تتقلّب كفّاه ، و « أصبح » : يجوز أن تكون على بابها ، وأن تكون بمعنى « صار » وهذا كناية عن الندم ؛ لأنّ النادم يفعل ذلك . قوله :
عَلى ما أَنْفَقَ
يجوز أن يتعلق ب « يقلّب » وإنما عدّي ب « على » لأنه ضمّن معنى « يندم » . وقوله : « فيها » ، أي : في عمارتها ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه حال من فاعل « يقلّب » أي : متحسّرا ، كذا قدّره أبو البقاء « 2 » ، وهو تفسير معنى ، والتقدير الصناعي ؛ إنما هو كون مطلق . قوله : « ويقول » يجوز أن يكون معطوفا على « يقلّب » ويجوز أن يكون حالا .

فصل في كيفية الإحاطة

قال المفسرون : إنّ اللّه تعالى أرسل عليها نارا ، فأهلكتها وغار ماؤها ،
فَأَصْبَحَ
صاحبها الكافر
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ
، أي : يصفّق بيديه ، إحداهما على الأخرى ، ويقلّب كفّيه ظهرا لبطن ؛ تأسّفا وتلهّفا
عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ
ساقطة
عَلى عُرُوشِها
سقوفها ، فتسقّطت سقوفها ، ثمّ سقطت الجدران عليها . ويمكن أنّ يكون المراد بالعروش عروش الكرم ، فتسقط العروش ، ثمّ تسقط الجدران عليها . قوله :
وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
. والمعنى : أن المؤمن ، لمّا قال :
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً
قال الكافر : يا ليتني قلت كذلك . فإن قيل : هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنّته ؛ لشؤم شركه ، وليس الأمر كذلك ؛ لأنّ أنواع البلاء أكثرها إنّما تقع للمؤمنين ، قال تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ
[ الزخرف : 33 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « خصّ البلاء بالأنبياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل » . وأيضا : فلما قال :
يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
فقدم ندم على الشّرك ، ورغب في
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 459 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 103 .