تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
ونزل في الرّوح :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
. قال ابن الخطيب « 1 » : ومن النّاس من [ طعن ] « 2 » في هذه الرواية ؛ من وجوه : أولها : قالوا : ليس الروح أعظم شأنا ، ولا أعلى درجة من اللّه تعالى ، فإن كانت معرفة اللّه تعالى حاصلة ممكنة ، فأي مانع يمنع من معرفة الروح ؟ ! . وثانيها : أن اليهود قالوا : إن أجاب عن قصّة أهل الكهف ، وقصّة ذي القرنين ، ولم يجب عن الروح ، فهو نبيّ ، وهذا كلام بعيد عن العقلاء ؛ لأن قصّة أصحاب الكهف ، وقصّة ذي القرنين ليست إلا حكاية ، والحكاية لا تكون دليلا على النبوة . وأيضا : فالحكاية التي يذكرها : إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته ، أو بعد العلم بنبوته . فإن كانت قبل العلم بنبوته ، كذّبوه فيها ، وإن كانت بعد العلم بنبوته ، فحينئذ : نبوّته معلومة ؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقة الروح ، فهذا يبعد جعله دليلا على صحّة النبوة . وثالثها : أنّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة ، وأراذل المتكلّمين ، فلو قال الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّي لا أعرفها » لأورث ذلك ما يوجب التّحقير ، والتّنفير ؛ فإنّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيّ إنسان كان ، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء ، وأفضل الفضلاء ؟ ! . ورابعها : أنه تعالى قال في حقّه :
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 1 ، 2 ] . وقال :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[ النساء : 113 ] . وقال :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] . وقال في [ حقّه ، أي القرآن ، وصفته « 3 » ] :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] . وكان صلى اللّه عليه وسلّم يقول : أرني الأشياء كما هي . فمن هذا حاله وصفته ، أيليق به أن يقول : أنا لا أعرف هذه المسألة ، مع أنّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق ؟ ! . بل المختار عندنا : أنّهم سألوه عن الروح ، وأنّه - صلوات اللّه عليه - أجابهم على أحسن الوجوه ، وتقريره أن المذكور في الآية ، أنهم سألوه عن الروح ، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة :
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 31 . ( 2 ) في أ : يطعن . ( 3 ) في ب : صفة القرآن .