تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وقولهم : الظنّ قد يسمّى علما ، فهذا باطل ؛ فإنّه يصحّ أن يقال : هذا مظنون ، وغير معلوم ، وهذا معلوم ، وغير مظنون ، فدلّ على حصول المغايرة ، فيدلّ عليه قوله تعالى :
هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
[ الأنعام : 148 ] نفى العلم ، وأثبت الظنّ ، وذلك يدلّ على المغايرة . وأما قوله تعالى :
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ
[ الممتحنة : 10 ] فالمؤمن هو المقر ، وذلك الإقرار معلوم . وأمّا الجواب عن الثالث ، فنقول : الكلام إنّما يتمّ لو ثبت أن القياس حجّة بدليل قاطع ، وذلك باطل ؛ لأنّ القياس وهو الذي يفيد الظنّ لا يجب عقلا أن يكون حجة ؛ لأنه لا نزاع أنّه يصحّ من الشّرع أن يقول : نهيتكم عن الرجوع إلى القياس ، ولو كان كونه حجّة أمرا عقليا ، لامتنع ذلك . والثاني أيضا باطل ؛ لأنّ الدليل النقليّ في كون القياس حجّة ، إنما يكون قطعيّا ؛ إذ لو كان منقولا نقلا متواترا ، كانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعيّة غير محتملة للتخصيص ، ولو حصل مثل هذا الدليل ، لوصل إلى الكلّ ، ولعرفه الكلّ ، ولارتفع الخلاف ، وحيث لم يكن كذلك ، علمنا أنّه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعيّ قاطع ، فثبت أنّه لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع البتة ، فبطل قولكم : كون الحكم المثبت بالقياس حجّة « 1 » معلوم لا مظنون . قال ابن الخطيب « 2 » : وأحسن ما يمكن أن يجاب عنه أن يقال : التمسّك بهذه الآية الّتي عولتم عليها تمسّك بعامّ مخصوص ، والتمسّك بالعامّ المخصوص لا يفيد إلّا الظنّ ، فلو دلّت هذه الآية على أنّ التمسّك بالظنّ غير جائز ، لدلّت على أن التمسّك بهذه الآية غير جائز ، فالقول بكون هذه الآية حجّة يفضي ثبوته إلى نفيه ، فكان تناقضا « 3 » ، فسقط الاستدلال به . وللمجيب أن يجيب عنه ، فيقول : نعلم بالتواتر الظّاهر من دين محمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - أنّ التمسّك بآيات القرآن حجّة في الشريعة ، ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العامّ المخصوص حجّة غير معلوم بالتواتر . قوله تعالى :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
. قوله تعالى : « أولئك » إشارة إلى ما تقدّم من السمع ، والبصر ، والفؤاد ؛ كقوله : [ الكامل ]
3420 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 4 »
هامش
( 1 ) سقط من : أ . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 168 . ( 3 ) في ب : متناقصا . ( 4 ) البيت لجرير ينظر : ديوانه ص 990 وفيه الأقوام مكان الأيام وتخليص الشواهد ص 123 وخزانة -