تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الأفعال ، بل أضاف إليه تعليم الأقوال ، وهو أن يدعو لهما بالرّحمة ، فيقول : ربّ ارحمهما ، ولفظة الرحمة جامعة لكلّ الخيرات في الدّين والدنيا ، ثم يقول :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
يعني : ربّ افعل بهما هذا النوع من الإحسان ، كما أحسنا إليّ في تربيتهما ، والتربية هي التّنمية من قولهم : ربا الشّيء ، إذا انتفخ قال تعالى :
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
[ الحج : 5 ] . واختلف المفسرون في هذه الآية ، فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إنها منسوخة بقوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
[ التوبة : 113 ] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : ربّ ارحمهما « 1 » . وقيل : إنها مخصوصة بالمسلمين غير منسوخة ، وهذا أولى من القول الأول ؛ لأنّ التخصيص أولى من النّسخ . وقيل : لا نسخ ، ولا تخصيص ؛ لأنّ الوالدين ، إذا كانا كافرين ، فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان .

فصل في أنّ الأمر يفيد التكرار أم لا ؟

قوله جلّ ذكره :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
أمر ، وظاهر الأمر لا يفيد التّكرار ، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرّة واحدة . سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة ، أو في الشهر ، أو في السّنة ؟ فقال : نرجو أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات ؛ كم قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
« 2 » [ الأحزاب : 56 ] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبيّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - . وكقوله تعالى :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
[ البقرة : 203 ] فهم يكرّرون في أدبار الصلاة . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 25 ]

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) ثم قال تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ
من برّ الوالدين وعقوقهما
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
، أي : إنّا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة للّه ، وبالإحسان بالوالدين ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في « الأدب المفرد » ص 16 رقم ( 23 ) والطبري في « تفسيره » ( 8 / 63 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 311 ) وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر من طرق عن ابن عباس . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 153 ) .