تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
أهل الإحسان ، أو من أهل الإساءة ، فاترك الظاهر المنطوق ، وأضمر ما دلّت عليه حال المسند إليه المشيئة ، لم تكن على سداد » . وتتبّعه أبو حيّان في هذا ، فقال : أمّا ما ارتكبه من المجاز ، فبعيد جدّا ، وأما قوله : « لأنّ حذف ما لا دليل عليه غير جائز » فتعليل لا يصح فيما نحن بسبيله ، بل ثمّ ما يدل على حذفه ، وقوله : « فكيف يحذف ما الدليل على نقيضه قائم » إلى
« عِلْمُ الْغَيْبِ »
فنقول : حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه ، ومنه ما مثّل به في قوله « أمرته ، فقام » ، وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضدّه ، أو نقيضه ؛ كقوله تعالى :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ الأنعام : 13 ] أي : ما سكن وتحرّك ، وقوله :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] ، أي : والبرد ، وقول الشاعر : [ الوافر ]
3391 - وما أدري إذا يمّمت أرضا * أريد الخير أيّهما يليني
أألخير الّذي أنا أبتغيه * أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني « 1 »
أي : وأجتنب الشّر ، وتقول : « أمرته ، فلم يحسن » فليس المعنى : أمرته بعدم الإحسان ، بل المعنى : أمرته بالإحسان ، فلم يحسن ، والآية من هذا القبيل ، يستدلّ على حذف النّقيض بنقيضه ، كما يستدلّ على حذف النظير بنظيره ، وكذلك : « أمرته ، فأساء إليّ » ليس المعنى : أمرته بالإساءة ، بل أمرته بالإحسان ، وقوله : « ولا يلزم هذا قولهم : أمرته فعصاني » نقول : بل يلزم ، وقوله « لأنّ ذلك مناف » أي : لأنّ العصيان مناف ، وهو كلام صحيح ، وقوله : « فكان المأمور به غير مدلول عليه ولا منوي » لا يسلّم بل مدلول عليه ومنويّ لا دلالة الموافق بل دلالة المناقض ؛ كما بيّنا ، وقوله : « لا ينوي مأمورا به » لا يسلّم ، وقوله « لأنّ « ففسقوا » يدافعه ، إلى آخره » قلنا : نعم ، نوى شيئا ، ويظهر خلافه ؛ لأنّ نقيضه يدل عليه ، وقوله : ونظير « أمر » « شاء » ليس نظيره ؛ لأن مفعول « أمر » كثر التصريح به . قال سبحانه جل ذكره :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ]
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 40 ]
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
[ النحل : 76 ]
أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
[ الأعراف : 29 ]
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا
[ الطور : 32 ] ، وقال الشاعر : [ البسيط ]
3392 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * . . . « 2 »
قال شهاب الدين رحمه اللّه : والشيخ ردّ عليه ردّ مستريح من النّظر ، ولولا خوف السامة على الناظر ، لكان للنظر في كلامهما مجال . قال ابن الخطيب : ولقائل أن يقول : كما أنّ قوله : « أمرته ، فعصاني » يدلّ على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إنّ المعصية منافية للأمر مناقضة له ، فكذلك قوله : أمرته ففسق يدلّ على أنّ المأمور به شيء غير الفسق ؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 236 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب