تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وقال غيرهما من الصحابة : إنّ ذلك كان في اليقظة ، فإنّه صلى اللّه عليه وسلّم كان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح . واختلف العلماء في أنّ الإسراء والمعراج ، هل كانا في ليلة واحدة ، أو كل واحد في ليلة ؟ فمنهم من زعم أن الإسراء في اليقظة ، والمعراج في المنام ، وذهب آخرون إلى أنّ الإسراء كان مرتين ، مرّة بروحه مناما ، ومرة بروحه وجسده يقظة ، وذهب آخرون إلى تعدّد الإسراء في اليقظة ، وقالوا : « إنّها أربع إسراءات » لتعدّد الروايات في الإسراء ، واختلاف ما يذكر فيها ، فبعضهم يذكر شيئا لم يذكره الآخر ، وبعضهم يذكر شيئا ذكره الآخر ، وهذا لا يدلّ على التعدّد ؛ لأنّ بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر ؛ للعلم به ، أو ينساه ، أو يذكر ما هو الأهمّ عنده ، أو يبسط تارة ، فيسوقه كلّه ، وتارة يحدث المخاطب بما هو الأنفع له ، ومن جعل كلّ رواية إسراء على حدة ، فقد أبعد هذا ؛ لأنّ كل السياقات فيها السلام على الأنبياء ، وفي كلّ منها تعريفه بهم ، وفي كلّها تفرض عليه الصلوات ، فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك ؛ وما عدد ذلك ؟ هذا في غاية البعد والاستحالة ، واللّه أعلم ، ذكر هذا الفصل ابن كثير « 1 » . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 2 ]

وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً ( 2 ) قوله تعالى :
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
الآية . لما ذكر اللّه - تعالى - في الآية الأولى إكرامه محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم أنه أسرى به ، ذكر في هذه الآية إكرام موسى - عليه السلام - قبله بالكتاب الذي آتاه . وفي « آتينا » ثلاثة أوجه : أحدها : أن تعطف هذه الجملة على الجملة السابقة من تنزيه الربّ تبارك وتعالى ، ولا يلزم في عطف الجمل مشاركة في خبر ولا غيره . الثاني : قال العسكريّ : إنه معطوف على « أسرى » واستبعده أبو حيّان . ووجه الاستبعاد : أن المعطوف على الصّلة صلة ، فيؤدّي التقدير إلى صيرورة التركيب : سبحان الذي أسرى وآتينا ، وهو في قوة : الذي آتينا موسى ، فيعود الضمير على الموصول ضمير تكلّم من غير مسوّغ لذلك . والثالث : أنه معطوف على ما في قوله « أسرى » من تقدير الخبر ، كأنه قال : أسرينا بعبدنا ، وأريناه آياتنا وآتينا ، وهو قريب من تفسير المعنى لا الإعراب .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير ابن كثير 3 / 22 .