تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
من آخر ما أنزل اللّه تعالى بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربعة ، إلا ما خصّه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محلّ أن يخشى عليه ؛ لأن هذه السورة دلّت على أن حصر المحرّمات في هذه الأربعة كان مشروعا ثابتا في أول زمان مكّة وآخره ، وأول زمان المدينة وآخره وأنه - تعالى - أعاد هذا البيان في هذه السورة ، قطعا للأعذار وإزالة للرّيبة . قوله - تعالى - :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
الآية لما حصر المحرّمات في تلك الأربعة ، بالغ في تأكيد زيادة الحصر ، وزيف طريقة الكفّار في الزّيادة على هذه الأشياء الأربعة تارة ، وفي النّقصان عنها أخرى ؛ فإنّهم كانوا يحرّمون البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام ، وكانوا يقولون :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
[ الأنعام : 139 ] فقد زادوا في المحرّمات وزادوا أيضا في المحلّلات ؛ لأنهم حلّلوا الميتة ، والدّم ، ولحم الخنزير ، وما أهلّ به لغير اللّه ، فبيّن - تعالى - أن المحرّمات هذه هي الأربعة ، وبيّن أن الأشياء التي يقولون : هذا حلال وهذا حرام ، كذب وافتراء على اللّه تعالى ، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب . قوله : « الكذب » العامة على فتح الكاف ، وكسر الذّال ، ونصب الباء ، وفيه أربعة أوجه : أظهرها : أنه منصوب على المفعول به ، وناصبه : « تصف » ، و « ما » مصدرية ويكون معمول القول الجملة من قوله :
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
، و « لما تصف » علّة للنّهي عن قول ذلك ، أي : ولا تقولوا : هذا حلال وهذا حرام ؛ لأجل وصف ألسنتكم بالكذب ، وإلى هذا نحا الزجاج [ رحمه اللّه تعالى ] والكسائي . والمعنى : لا تحلّلوا ولا تحرّموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجّة . فإن قيل : حمل الآية عليه يؤدّي إلى التّكرار ؛ لأن قوله :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
عين ذلك . فالجواب : أن قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
ليس فيه بيان أنه كذب على اللّه تعالى ، فأعاد قوله :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
ليحصل فيه هذا البيان الزّائد ؛ ونظائره في القرآن كثيرة وهو أنه تعالى يذكر كلاما ، ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني : أن ينتصب مفعولا به للقول ، ويكون قوله : « هذا حلال » بدلا من « الكذب » ؛ لأنه عينه ، أو يكون مفعولا بمضمر ، أي : فيقولوا : هذا حلال وهذا حرام ، و « لما تصف » علّة أيضا ، والتقدير : ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم ، وهل يجوز أن تكون المسألة من باب التّنازع على هذا الوجه ؛ وذلك أن القول يطلب الكذب ، و « تصف » أيضا يطلبه ، أي : ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم ، وفيه نظر . الثالث : أن ينتصب على البدل من العائد المحذوف على « ما » ، إذا قلنا : إنّها بمعنى
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 178 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب