تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
« وسكّرت : حيّرت أو حبست من السّكر أو السّكر ، وقرىء : « سكرت » بالتخفيف ، أي : حبست كما يحبس المهر عن الجري » ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين ، وقراءة التخفيف محتملة لمعنى واحد . وأما قراءة الزهريّ ، فواضحة ، أي : غطيت ، وقيل : هي مطاوع : أسكرت المكان فسكر : أي : سددته فانسدّ .
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
، أي عمل فينا السّحر ، وسحرنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح ؛ ولو جاز حصول الشكّ في ذلك ، كانت السّفسطة لازمة ، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة ؟ . أجاب القاضي - رحمه اللّه - : بأنه - تعالى - ما وصفهم بالشكّ فيما يبصرون ، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول ، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة ، ثم سأل نفسه ، أيصحّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات ؟ . وأجاب : بأنه يصحّ ذلك ، إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجّة أو غلبة خصم ، وأيضا : فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين ، سألوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إنزال الملائكة ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساء القوم ، وكانوا قليلي العدد ، وإقدام العدد القليل على ما يجري مجرى المكابرة ، جائز . قوله : « فظلّوا » يقال : ظلّ فلان نهاره يفعل كذا : إذا فعله بالنّهار ، ولا تقول العرب : « ظلّ يظلّ » إلّا لكلّ عمل بالنهار ؛ كما لا يقولون : بات يبيت إلا بالليل ، والمصدر الظّلول . والعروج : الصّعود ، يقال : عرج يعرج عروجا ، ومنه : المعارج ، وهي المصاعد التي يصعد عليها . فإن قلنا : إن الضمير في : « فظلّوا » للملائكة ، فقد تقدم بيانه ، وإن قلنا : يعود على المشركين ، فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « فظلّ المشركون يصعدون في تلك المعارج ، وينظرون إلى ملكوت اللّه - سبحانه وتعالى - وقدرته ، وسلطانه ، وإلى عباده ، وملائكته - عليهم السلام - لشكّوا في تلك الرؤية ، وأصرّوا على جهلهم وكفرهم ؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله » « 1 » . قوله تعالى :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 16 إلى 25 ]

وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ( 16 ) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ( 18 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 ) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 25 )
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 496 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 176 ) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم .