تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الذي تشربونه صديدا ، بل مثله في النّتن ، والغلظ ، والقذارة ، كقوله تعالى :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
[ الكهف : 29 ] . والثاني : أنّ الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء ، وليس هو بماء حقيقة ، وعلى هذا فيكون يشربون نفس الصديد المشبه للماء ، وهو قول ابن عطية ، وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره . وفيه نظر ، إذ ليس بمشتق إلّا على من فسّره بأنه صديد بمعنى مصدود ، أخذه من الصّدّ ، وكأنه لكراهته مصدود عنه ، أي : يمتنع عليه كل أحد . الثاني : أنه عطف بيان ل « ماء » ، وإليه ذهب الزمخشري ، وليس مذهب البصريين [ جريانه ] « 1 » في النكرات إنّما قال به الكوفيون وتبعهم الفارسي أيضا . الثالث : أن يكون بدلا ، وأعرب الفارسي « زيتونة » من قوله تعالى
مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
[ النور : 35 ] عطف بيان أيضا . واستدلّ من جوّز كونه عطف بيان ، ومتبوعه نكرتين بهاتين الآيتين . والصّديد : ما يسيل من أجساد أهل النّار . وقيل : ما حال بين الجلد واللّحم من القيح . قوله : « يتجرّعه » يجوز أن تكون الجملة صفة ل « ماء » وأن تكون حالا من الضمير في « يسقى » ، وأن تكون مستأنفة ، وتجرّع : « تفعّل » وفيه احتمالات : أحدها : أنه مطاوع ل « جرّعته » نحو « علّمته فتعلّم » . والثاني : أنه يكون للتكلف ، نحو « تحلّم » ، أي : يتكلّف جرعه ، ولم يذكر الزمخشري غيره . الثالث : أنه دالّ على المهلة ، نحو تفهّمته ، أي : يتناوله شيئا فشيئا بالجرع كما يفهم شيئا فشيئا بالتفهيم . الرابع : أنه بمعنى جرع المجرد ، نحو : عددت الشيء وتعدّيته . والمعنى : يتحسّاه ويشربه لا بمرة واحدة ، بل يجرعه لمرارته وحرارته . قوله
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
في « يكاد » قولان : أحدهما : أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله :
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
أي : يسيغه بعد إبطاء ؛ لأن العرب تقول : ما كدت أقوم أي : قمت بعد إبطاء ، قال تعالى :
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
[ البقرة : 71 ] أي : فعلوا بعد إبطاء ، ويدلّ على حصول الإساغة قوله :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ
[ الحج : 20 ] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة . وقوله : « يتجرّعه » يدل على أنهم ساغوا الشيء بعد الشيء .
هامش
( 1 ) في ب : بأنه .