تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
فالجواب : أولئك لا يكونوا داخلين تحت هذه الآية ، وإنما وجبت الجزية عليهم ؛ لأنّه لمّا ثبت وجوب الجزية على بعضهم ؛ وجب القول به في حق الكلّ ؛ لأنه لا قائل بالفرق . وأما النّصارى فيقولون بالأب والابن وروح القدس ، والحلول والاتحاد ، وذلك ينافي الإلهيّة . وإنّما خصّ اللّه الطائفتين بقبول الجزية منهم ؛ لأنّهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى - عليهما الصّلاة والسّلام - ، وادّعوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل ؛ فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين ، وكتابيهما المعظمين ، ولتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى ، لأنهم كانوا على الدّين الحق ، حكم اللّه بقبول الجزية منهم ، وإلّا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين .

فصل [ في قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ

] في قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
أقوال : أحدها : قال عبيد بن عمير : إنّما قال هذا رجل واحد من اليهود اسمه : فنحاص بن عازوراء ، وهو الذي قال
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
« 1 » [ آل عمران : 181 ] . وثانيها : روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال « أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة من اليهود سلام بن مشكم ، والنعمان بن أبي أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، ولا تزعم أنّ عزيرا ابن اللّه ؟ فنزلت هذه الآية » « 2 » . وعلى هذين القولين ، فالقائل بهذا بعض اليهود ، وإنما نسب ذلك إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ، يقال : فلان ركب الخيول وجالس السّلاطين ، ولعله لم يركب ولم يجالس إلا واحدا . وثالثها : لعلّ هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثمّ انقطع ، فحكى اللّه ذلك عنهم ، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك ، فإنّ حكاية اللّه عنهم أصدق ، والسّبب في ذلك ما روى عطية العوفي عن ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فأنساهم اللّه التوراة ، ونسخها من صدورهم ، فتضرّع عزير إلى اللّه وابتهل إليه ، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ؛ فأنذر قومه به فلمّا جرّبوه وجدوه صادقا فيه ، ثم إنّ التابوت نزل بعد دعائه منهم ، فلمّا رأوا التّابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير ؛ فوجدوه مثله ، فقالوا : ما أوتي عزير هذا إلّا أنه ابن اللّه « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 350 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 284 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 350 ) من طريق سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 413 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي إسحاق وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 350 - 351 ) وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 284 ) .