تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
13 ] والمعنى : أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم ، ولهذا قال الفقهاء : إنّ حقوق اللّه مبناها على المسامحة ، وحقوق العباد مبناها على التّضييق والشح ، ويقال : إنّ الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظّلم ، ويدلّ على هذا التأويل أنّ قوم هود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب إنّما نزل بهم عذاب الاستئصال ، لما حكى اللّه تعالى عنهم من إيذاء النّاس وظلم الخلق . وهذا تأويل أهل السنة . وقالت المعتزلة : إنّه تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لكان ظلما ، ولمّا كان متعاليا عن الظلم ، لا جرم أنّه إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم . وقيل : معنى الآية : أنّه لا يهلكهم بظلم منه ، وهم مصلحون في أعمالهم ، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السّيئات ، وهذا معنى قول المعتزلة . ثم قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
كلهم على دين واحد ،
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
على أديان شتّى ، من يهوديّ ، ونصرانيّ ، ومجوسيّ ، ومشرك ، ومسلم ، وقد تقدم الكلام على ذلك . قوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
ظاهره أنه متّصل ، وهو استثناء من فاعل « يزالون » ، أو من الضّمير في « مختلفين » وجوّز الحوفي أن يكون استثناء منقطعا ، أي : لكن من رحم ، لم يختلفوا ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك . قوله :
« وَلِذلِكَ »
في المشار إليه أقوال كثيرة . أظهرها : أنّه الاختلاف المدلول عليه ب « مختلفين » ؛ كقوله : [ الوافر ]
3041 - إذا نهي السّفيه جرى إليه * وخالف والسّفيه إلى خلاف « 1 »
رجع الضّمير في « إليه » على السّفه المدلول عليه بلفظ « السّفيه » ، ولا بدّ من حذف مضاف على هذا ، أي : ولثمرة الاختلاف خلقهم ، واللام في الحقيقة للصّيرورة ، أي : خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف . وقيل : المراد به الرحمة المدلول عليها بقوله : « رحم » ، وإنّما ذكّر ذهابا بها إلى الخير . وقيل : المراد به المجموع منهما ، وإليه نحا ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كقوله :
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] . وقيل : إشارة إلى ما بعده من قوله :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ،
ففي الكلام تقديم وتأخير ، وهو قول مرجوح ؛ لأنّ الأصل عدم ذلك .

فصل [ في أن اللّه خلق الخلق ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير ]

قال الحسن وعطاء : وللاختلاف خلقهم . قال أشهب : سألت مالكا - رحمه اللّه - عن هذه الآية فقال : خلقهم ليكون فريق في الجنّة وفريق في السّعير . قال أبو عبيد : الذي
هامش
( 1 ) تقدم .