تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
فأمّا الفتح فعلى إضمار حرف الجرّ ، أي : « بأنّي لكم » . قال الفارسيّ : في قراءة الفتح خروج من الغيبة إلى المخاطبة . قال ابن عطية : وفي هذا نظر ، وإنّما هي حكاية مخاطبته لقومه ، وليس هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة ، ولو كان الكلام أن أنذرهم ونحوه لصحّ ذلك . وقد قال بهذه المقالة - أعني الالتفات - مكي - فإنّه قال : الأصل : بأنّي ، والجارّ والمجرور في موضع المفعول الثاني ، وكان الأصل : أنّه ، لكنّه جاء على طريق الالتفات . ولكن هذا الالتفات غير الذي ذكره أبو علي ، فإنّ ذلك من غيبة إلى خطاب ، وهذا من غيبة إلى تكلم وكلاهما غير محتاج إليه ، وإن كان قول مكي أقرب . وقال الزمخشري « 1 » : الجارّ والمجرور صلة لحال محذوفة ، والمعنى : أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام ، وهو قوله :
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
بالكسر ، فلمّا اتصل بها الجارّ فتح كما فتح في « كأنّ » والمعنى على الكسر في قولك « إنّ زيدا كالأسد » ، وأمّا الكسر ، فعلى إضمار القول ، أي : فقال ، وكثيرا ما يضمر ، وهو غني عن الشّواهد . و « النذير » قيل : المراد به كونه مهددا للعصاة بالعقاب ، ومن المبين كونه مبينا ما أعد اللّه للمطيعين من الثّواب ، وأنه يبين ذلك الإنذار على أكمل طرقه ، ثم بيّن تعالى أنّ ذلك الإنذار إنما هو بنهيهم عن عبادة غير اللّه ، والأمر بعبادته - جل ذكره - ؛ لأنّ قوله
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
استثناء من النّهي ، فهو يوجب نفي غير المستثنى ، وإيجاب المستثنى . قوله
« أَنْ لا تَعْبُدُوا »
كقوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا
في أول السورة ، ونزيد هنا شيئا آخر ، وهو أنّها على قراءة من فتح « أني » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون بدلا من قوله :
« إِنِّي لَكُمْ » ،
أي : أرسلناه بأن لا تعبدوا . والثاني : أن تكون مفسّرة ، والمفسّر بها : إمّا « أرسلناه » وإما « نذير » . وأمّا على قراءة من كسر فيجوز أن تكون المصدرية وهي معمولة ل « أرسلنا » ويجوز أن تكون المفسرة بحاليها . قوله : « أليم » إسناد الألم إلى اليوم مجاز لوقوعه فيه لا به . وقال الزمخشريّ : فإذا وصف به العذاب قلت : مجاز مثله ؛ لأنّ الأليم في الحقيقة هو المعذّب ، ونظيرها قولك نهارك صائم . قال أبو حيّان « 2 » : « وهذا على أن يكون « أليم » صفة مبالغة من : « ألم » وهو من كثر ألمه ، وإن كان « أليم » بمعنى : « مؤلم » فنسبته لليوم مجاز وللعذاب حقيقة » .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 387 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 215 .