تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
قوله
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ .
يحتمل أن يكون « جعل » بمعنى « صيّر » ، أي : صيّرنا الشّياطين أولياء . وقال الزّهراويّ « جعل » هنا بمعنى « وصف » وهذا لا يعرف في جعل وكأنه فرارا من إسناد جعل الشياطين أولياء لغير المؤمنين إلى اللّه تعالى وكأنّها نزعة اعتزاليّة . و « للّذين » متعلّقة ب « أولياء » ؛ لأنه في معنى الفعل ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنّه صفة ل « أولياء » .

فصل في المراد ب « أولياء »

معنى « أولياء » أي : أعوانا وقرناء للّذين لا يؤمنون . قال الزّجّاج : سلطناهم عليهم يزيدون في غيّهم كقوله
أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
[ مريم : 83 ] واحتج أهل السنة بهذا النص على أنّه تعالى هو الذي سلّط الشّيطان عليهم حتى أضلهم واغواهم « 1 » . وقالت المعتزلة « 2 » : معنى قوله :
إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
هو أنّا حكمنا بأنّ الشّيطان ولي لمن لا يؤمن ، قالوا : ومعنى قوله :
أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ
[ مريم : 83 ] هو أنّا خلينا بينهم وبينهم كما يقال لمن لا يربط الكلب في داره ولا يمنعه من الوثوب على الداخل أنّه أرسل عليهم كلبه . والجواب أن القائل إذا قال : إن فلانا جعل هذا ثوبا أبيض أو أسود ، لم يفهم منه أنّه حكم به بل يفهم منه أنه حصل السّواد أو البياض فيه ، فكذلك هاهنا وجب حمل الجعل على التّأثير والتّحصيل لا على مجرد الحكم وأيضا فهب أنّه تعالى حكم بذلك لكن مخالفة حكم اللّه توجب كونه كاذبا وهو محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكون العبد قادرا على خلاف ذلك ؛ وجب أن يكون محالا وأما قولهم إن قوله تعالى
أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ
[ مريم : 83 ] أي خلّينا بينهم وبين الكافرين ، فهو ضعيف ؛ ألا ترى أنّ أهل السّوق يؤذي بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضا ثم إنّ زيدا وعمرا إذا لم يمنع بعضهم عن بعض لا يقال إنّه أرسل بعضهم على البعض ، بل لفظ الإرسال إنّما يصدق إذا كان تسلط بعضهم على البعض بسبب من جهته فكذا هاهنا . قوله تعالى :

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 28 ]

وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) هذه الجملة الشّرطيّة لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنّها استئنافيّة وهو الظّاهر وجوّز ابن عطيّة « 3 » أن تكون داخلة في حيّز الصّلة لعطفها عليها .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 46 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 391 .