تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا
الآية . اعلم أنّه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم ، وتقرير هذه القسمة أنّه - عليه الصلاة والسلام - لما ظهرت نبوته ودعا النّاس إلى الدّين ، ثم انتقل من مكّة إلى المدينة ، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة ، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة . أمّا القسم الأوّل : فهم المهاجرون الأوّلون ، وقد وصفهم اللّه بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وإنما قلنا : إن المراد بهم المهاجرون الأولون ؛ لأنّه تعالى قال بعد ذلك :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا
وقال تعالى :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
[ الحديد : 10 ] . وقال :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
[ التوبة : 100 ] . القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم الأنصار ؛ لأنّه عليه الصلاة والسلام لمّا هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه ، فلو لا أنّهم آووا ، ونصروا ، وبذلوا النّفس والمال في خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإصلاح مهمات أصحابه لما تمّ المقصود ألبتّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار ؛ لأنّهم السّابقون إلى الإيمان ، وتحمّلوا العناء والمشقة دهرا طويلا من كفّار قريش ، وصبروا على أذاهم ، وهذه الحالة ما حصلت للأنصار . وفارقوا الأوطان ، والأهل ، والأموال ، والجيران ، ولم يحصل ذلك للأنصار ، وأيضا فإنّ الأنصار اقتدوا بهم في الإسلام ، وهم السابقون للإيمان . ولمّا ذكر اللّه تعالى هذين القسمين ، قال :
« أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ »
قال الواحديّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين « المراد في الميراث » « 1 » وقالوا : جعل اللّه تعالى سبب الإرث الهجرة ، والنصرة دون القرابة ، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث ؛ لأنّه لم يهاجر ولم ينصر . واعلم أنّ لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى ؛ لأنّ اللفظ مشعر بالقرب على ما تقرّر في هذا الكتاب .
هامش
( 1 ) ذكره الواحدي في « الوسيط » ( 2 / 474 ) ، والبغوي ( 2 / 264 ) والقرطبي ( 8 / 38 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 577 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب