إذا عرف ذلك نقول كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال :
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
[ الأنفال : 5 ] والحق الذي جادلوا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلقي النفير لايثارهم العير .
قوله تعالى :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 6 ]
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 )
قوله : « بعد ما تبيّن » المراد منه : إعلام رسول اللّه بأنّهم ينصرون ، وجدالهم قولهم : ما كان خروجنا إلّا للعير ، وهلّا قلت لنا لنستعدّ ونتأهّب للقتال ؛ لأنّهم كانوا يكرهون القتال ثمّ إنّه تعالى شبّه حالهم في فرط فزعهم بحال من يجرّ إلى القتل ، ويساق إلى الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته ، ومنه قوله عليه السّلام : « من نفى ابنه وهو ينظر إليه » أي يعلم أنّه ابنه ، كقوله تعالى :
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
[ النبأ : 40 ] أي يعلم وكان خوفهم لأمور :
أحدها : قلّة العدد .
وثانيها : كانوا رجّالة ، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح .
قوله : يجادلونك يحتمل أن يكون مستأنفا إخبارا عن حالهم بالمجادلة ، ويحتمل أن يكون حالا ثانية أي : أخرجك في حال مجادلتهم إيّاك ، ويحتمل أن يكون حالا من الضّمير في لكارهون ، أي : لكارهون في حال جدال .
والظاهر أنّ الضمير المرفوع يعود على الفريق المتقدّم .
ومعنى المجادلة قولهم : كيف تقاتل ولم نستعد للقتال ؟ ويجوز أن يعود على الكفّار ، وجدالهم ظاهر .
قوله : بعد ما تبيّن منصوب بالجدال ، و « ما » مصدرية ، أي : بعد تبينه ووضوحه ، وهو أقبح من الجدال في الشّيء قبل إيضاحه .
وقرأ عبد « 1 » اللّه « بيّن » مبنيا للمفعول من : بيّنته أي : أظهرته ، وقوله : « وهم ينظرون » حال من مفعول يساقون .
قوله تعالى :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 7 ]
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 )
قوله « وإذ يعدكم » « إذ » منصوب بفعل مقدر ، أي : اذكر إذ ، والجمهور على رفع الدال ؛ لأنّه مضارع مرفوع .
وقرأ مسلمة بن « 2 » محارب : بسكونها على التّخفيف لتوالي الحركات .
هامش
( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 50 ، والبحر المحيط 4 / 458 ، والدر المصون 3 / 397 .
( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 503 ، والدر المصون 3 / 397 .