تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية ، والثّاني أيضا باطل ، وإلّا لزم إما التّسلسل وإمّا الدّور ، والثّالث هو المقصود .

فصل في المراد من الإقعاد

المراد من قوله :
« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ »
أنّه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها ، ولهذا المعنى ذكر القعود ؛ لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال ، فيمكنه إتمام المقصود . ومواظبته على الإفساد ، هي مواظبته على الوسوسة بحيث لا يفتر عنها « 1 » . قال المفسّرون : معنى
« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ »
أي : بالصّدّ عنه وتزيين الباطل ؛ حتّى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضلّ ، أو يخيبوا كما خاب . فإن قيل : هذه الآية دلّت على أنّ إبليس كان عالما بالدّين الحقّ ؛ لأنه قال :
« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ »
وصراطه المستقيم هو دينه الحقّ ، ودلّت أيضا على أن إبليس كان عالما بأنّ الذي هو عليه من الاعتقاد هو محض الغواية والضّلال لأنه لو لم يكن كذلك لما قال :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ الحجر : 39 ] ، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالا وغواية ، وبكونه مضادا للدّين الحقّ ، ومنافيا للصّراط المستقيم ، فإنّ المرء إنّما يعتقد الاعتقاد الفاسد إذا غلب على ظنّه كونه حقّا ، فأمّا من علم أنّه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ، ويرضى به ، ويعتقده . فالجواب : أنّ من النّاس من قال : إنّ كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل ، ومنهم من قال : كفره كفر جهل . وقوله :
فَبِما أَغْوَيْتَنِي ،
وقوله :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
يريد به في زعم الخصم ، وفي اعتقاده « 2 » .

فصل في بيان هل على اللّه رعاية المصالح « 3 »

احتجّ أهل السّنّة بهذه الآية على أنّه لا يجب على اللّه رعاية مصالح العبد في دينه ،
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 32 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 33 . ( 3 ) قالت المعتزلة : يجب على اللّه تعالى فعل الصلاح والأصلح . والصلاح هو ما يقابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر والغنى بالنسبة للفقر والأصلح ما قابل الصلاح كأعلى الجنة في مقابلة أدناها . والصلاح والأصلح الواجبان على اللّه تعالى بالنسبة للدين والدنيا كما قال معتزلة بغداد ويراد بهما الأوفق في الحكمة والتدبير بالنسبة للشخص لا بالنسبة للكل وقيل بالنسبة إلى علم اللّه تعالى . أو الصلاح والأصلح في الدين فقط كما رأى معتزلة البصرة وهما الأنفع وهل الأنفع بالنسبة إلى علم اللّه أو بالنسبة إلى الشخص ، خلاف لم نقف فيه على حقيقة ما نقل عن المعتزلة بالضبط لتضارب النقل عنهم . -