الحسنة على صورة حسنة ، وبالأعمال السيّئة على صورة قبيحة ، فتوضع في الميزان .
والحكمة في وزن الأعمال امتحان اللّه عباده بالإيمان به في الدّنيا ، وإقامة الحجّة عليهم في العقبى « 1 » .
قوله تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 9 ]
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 )
هذه الآية تدلّ على أنّ أهل القيامة فريقان ، منهم من يزيد حسناته على سيئاته ، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته ، فأمّا القسم الثّالث ، وهو الّذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة فإنه غير موجود .
قال أكثر المفسرين « 2 » : المراد ب
مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
الكافر لقوله تعالى :
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ،
ولا معنى لكون الإنسان ظالما بآيات اللّه إلّا كونه كافرا بها منكرا لها ، وهذا هو الكافر .
وروي أنّه إذا خفّت حسنات المؤمن يخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفّة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح ، فيقول ذلك العبد المؤمن للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : بأبي أنت وأمّي ، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت ؟
فيقول : « أنا نبيّك محمّد ، وهذه صلواتك الّتي كنت تصلّيها عليّ ، وقد وفيتك أحوج ما تكون إليها » « 3 » . رواه الواحديّ في « البسيط » .
والخبر الذي تقدّم أيضا من أنّه تعالى يلقي في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه ، وأمّا قول ابن عباس ، وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر .
وقال أبو بكر الصّدّيق - رضي اللّه عنه - حين حضره الموت لعمر بن الخطاب في وصّيته : إنّما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحقّ في الدّنيا ، وثقله عليهم ، وحقّ لميزان يوضع فيه الحقّ غدا أن يكون ثقيلا ، وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الباطل في الدّنيا ، وخفته عليهم ، وحقّ لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا « 4 » .
قوله : « بما كانوا » متعلّق ب « خسروا » ، و « ما » مصدريّة ، و « بآياتنا » متعلّق ب « يظلمون » قدّم عليه للفاصلة . وتعدّى « يظلمون » بالباء : إمّا لتضمّنه معنى التّكذيب نحو :
كَذَّبُوا بِآياتِنا *
وإمّا لتضمّنه معنى الجحد نحو
وَجَحَدُوا بِها
[ النمل : 14 ] .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير الرازي 14 / 22 .
( 2 ) انظر : تفسير الرازي 14 / 23 .
( 3 ) انظر : المصدر السابق ( 14 / 23 ) وذكره القشيري في « تفسيره » كما في « القرطبي » ( 7 / 108 )
( 4 ) ذكره البغوي في تفسيره 2 / 149 .