به ، إذ يصير المعنى : أنّهم نهوا عن الاتّباع في حال قلّة تذكرهم ، وليس ذلك بمراد .
وقرأ ابن عامر « 1 » : « قليلا ما تذكّرون » بالياء تارة والتّاء أخرى ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بتاء واحدة وتخفيف الذال ، والباقون بتاء وتشديد الذّال .
قال الواحديّ « 2 » : « تذكّرون » أصله « تتذكّرون » فأدغمت تاء تفعل في الذّال ؛ لأنّ التّاء مهموسة والذّال مجهورة ، والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، و « ما » موصولة بالفعل ، وهي معه بمنزلة المصدر فالمعنى : قليلا تذكّركم .
وأمّا قراءة ابن عامر « يتذكّرون » بياء وتاء فوجهها أنّ هذا خطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أي :
قليلا ما يتذكرون هؤلاء الّذين ذكّروا بهذا الخطاب .
وأمّا قراءة الأخوين ، وحفص خفيفة الذّال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التي أدغمها الأوّلون ، وتقدّم الكلام على ذلك في الأنعام « 3 » .
قوله تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 4 ]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 )
لمّا أمر الرّسول بالإنذار والتّبليغ وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد .
وفي « كم » وجهان :
أحدهما : أنّها في موضع رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها ، و « من قرية » تمييز ، والضمير في « أهلكناها » عائد على معنى « كم » ، وهي هنا خبرية للتّكثير ، والتّقدير : وكثير من القرى أهلكناها .
قال الزّجّاج : و « كم » في موضع رفع بالابتداء أحسن من أن تكون في موضع نصب ؛ لأن قولك : « زيد ضربته » أجود من قولك : « زيدا ضربته » بالنّصب ، والنّصب جيّد عربيّ أيضا لقوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] ، ونقل أبو البقاء « 4 » عن بعضهم أنه جعل « أهلكناها » صفة ل « قرية » ، والخبر قوله : « فجاءها بأسنا » قال : وهو سهو ؛ لأن « الفاء » تمنع من ذلك .
قال شهاب الدّين « 5 » : ولو ادّعى مدّع زيادتها على مذهب الأخفش لم تقبل دعواه ؛ لأن الأخفش إنّما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 278 ، والحجة 4 / 5 ، وفيه : وقرأ ابن عامر : « قليلا ما يتذكرون » بياء وتاء ، وقد روي عنه بتاءين ، وينظر : حجة القراءات 279 ، وإعراب القراءات 1 / 176 ، والعنوان 95 ، وشرح شعلة 386 ، وشرح الطيبة 4 / 290 ، وإتحاف 2 / 44 .
( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 14 / 17 .
( 3 ) ينظر : تفسير سورة الأنعام آية ( 152 ) .
( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 268 .
( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 232 .