لأهل الدّنيا أي : ولكن لا تعلمون ما أعدّ من العذاب لكل فريق .
وقرأ أبو بكر « 1 » عن عاصم بالغيبة ، وهي تحتمل أن يكون الضّمير عائدا على الطائفة السّائلة تضعيف العذاب ، أو على الطّائفتين ، أي : لا يعلمون قدر ما أعدّ لهم من العذاب .
فإن قيل : إن كان المراد من قوله : لكلّ أحد من العذاب ضعف ما يستحقه ، فذلك غير جائز ؛ لأنّه ظلم ، وإن لم يكن المراد ذلك فما معنى كونه ضعفا « 2 » ؟ .
فالجواب : أنّ عذاب الكفّار يزيد فكل ألم يحصل فإنّه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية ، فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر .
قوله تعالى :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 39 ]
وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 )
قوله :
وَقالَتْ أُولاهُمْ
أي في ترك الكفر والضّلال وإنّا متشاركون في استحقاق العذاب .
فإن قيل : إن هذا منهم كذب ؛ لأنّهم لكونهم رؤساء سادة وقادة ، قد دعوا إلى الكفر والتّرغيب فيه ، فكانوا ضالّين مضلّين ، وأمّا الأتباع والضّعفاء وإن كانوا ضالين إلّا أنّهم ما كانوا مضلّين ، فبطل قولهم : إنّه لا فضل للأتباع على الرّؤساء في ترك الضّلال والكفر « 3 » .
فالجواب : أنّ أقصى ما في الباب أنّهم كذبوا في هذا القول يوم القيامة ، وعندنا أنّ ذلك جائز كما قرّرناه في سورة الأنعام في قوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] .
قوله : « فما » : هذه الفاء عاطفة هذه الجملة المنفيّة على قول اللّه تعالى للسّفلة :
« لكلّ ضعف » أي : فقد ثبت أنّ لا فضل لكم علينا ، وأنا متساوون في استحقاق الضّعف فذوقوا .
قال أبو حيّان « 4 » - بعد أن حكى بعض كلام الزّمخشري « 5 » - : والذي يظهر أنّ المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السّفلة في الدّنيا بسبب اتباعهم إيّاهم ، وموافقتهم لهم في الكفر أي : اتّباعكم إيّانا ، وعدم اتّباعكم سواء ؛ لأنّكم كنتم في الدّنيا عندنا أقلّ من أن يكون لكم علينا فضل باتّباعكم ، بل كفرتم اختيارا ، لا أنّا حملناكم على الكفر إجبارا ، وأنّ قوله : « فما كان » جملة معطوفة على جملة محذوفة بعد القول دلّ عليها ما سبق من
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 280 ، والحجة 4 / 17 ، وحجة القراءات 281 ، وإعراب القراءات 1 / 181 ، والعنوان 95 ، وشرح الطيبة 4 / 294 ، وشرح شعلة 388 ، وإتحاف 2 / 48 .
( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 62 .
( 3 ) ينظر : الرازي 14 / 62 .
( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 299 .
( 5 ) ينظر : الكشاف 2 / 103 .