تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
عليه الصّلاة والسّلام : « إن غمّ عليكم فاقدروا له » أي : فاطلبوا أن تعرفوه هذا أصله في اللغة ، ثم يقال لمن عرف شيئا : هو يقدر قدره ، وإن لم يعرفه بصفاته : إنه لا يقدر قدره ، فقوله :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
صحيح في كلّ المعاني المذكورة « 1 » ولما حكى عنهم أنهم ما قدروا اللّه حقّ قدره بيّن السّبب فيه ، وهو قولهم :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
. واعلم أن كلّ من أنكر النّبوّة والرّسالة فهو في الحقيقة ما عرف اللّه حقّ معرفته ، وتقديره من وجوه : الأول : أن منكر البعث والرسالة إما أن يقول : إنه - تبارك وتعالى - ما كلّف أحدا من الخلق [ تكليفا أصلا ] « 2 » أو يقول : إنه - تبارك وتعالى - كلّفهم ، والأول باطل ؛ لأن ذلك يقتضي أنه - تبارك وتعالى - أباح لهم جميع المنكرات والقبائح ، نحو [ شتم ] « 3 » اللّه ووصفه بما لا يليق به والاستخفاف بالأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - والرسل ، والإعراض عن شكر اللّه - تعالى - ومقابلة الإنعام بالإساءة ، وكل ذلك باطل . وإن سلم أنه - تعالى - كلّف الخلق بالأمر [ والنهي فهاهنا لا بدّ ] « 4 » من مبلّغ وشارع مبيّن ، وما ذلك إلّا للرّسول . فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : العقل كاف في إيجاب الموجبات ، واجتناب المقبحات ؟ فالجواب : هب أن الأمر كما قلتم إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - فثبت أن كل من منع من البعثة والرسالة ، فقد طعن في حكمة اللّه - تعالى - وكان ذلك جهلا بصفة الإلهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تبارك وتعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
. والوجه الثاني في تقرير هذا المعنى : أن من الناس من يقول : إنه يمتنع بعثة الأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسلام ؛ لأن يمتنع [ إظهار ] « 5 » المعجزة على وفق دعواه تصديقا له ، والقائلون بهذا القول لهم مقامات . أحدها : أن يقولوا : إنه ليس في الإمكان خرق العادات ، ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة . والثاني : يسلمون إمكان ذلك ، إلّا أنهم يقولون : إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات ، فلا دلالة لها على صدقه من الرسالة ، وكلا القولين يوجب القدح في كمال قدرة اللّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : النفي فيها هنا لا بد . ( 5 ) سقط في أ .