فكان قوله :
وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ
يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وإنّه فاسد .
والجواب يجب حمل قوله :
« ما تَكْسِبُونَ »
على ما يستحقّه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب .
والحاصل أنّه محمول على المكتسب « 1 » كما يقال : « هذا المال كسب فلان » ، أي :
مكتسبه ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ؛ لأنّه يلزم منه عطف الشيء على نفسه والآية « 2 » تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل ، والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع ، أو دفع ضرر ، ولا يوصف فعل اللّه بأنه كسب لكونه - تعالى - منزّه عن جلب النّفع ، ودفع الضرر .
قوله تعالى :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 4 ]
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 )
« من آية » فاعل زيدت فيه « من » لوجود الشرطين « 3 » ، فلا تعلّق لها .
و « من آيات » صفة ل « آية » ، فهي في محلّ جر على اللّفظ ، أو رفع على الموضع « 4 » .
وقال الواحدي « 5 » : « من » في قوله : « من آية » صفة ل « آية » أي : آية لاستغراق الجنس الذي يقع في النّفي ، كقولك : « ما أتاني من أحد » .
والثانية : في قوله :
« مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ »
للتبعيض .
والمعنى : وما يظهر لهم دليل قط من الدّلائل التي يجب فيها النّظر والاعتبار ، إلّا كانوا عنها معرضين ، والمراد بهم أهل « مكة » ، والمراد بالآيات : انشقاق القمر وغيره .
وقال عطاء : يريد : من آيات القرآن .
قوله : « إلّا كانوا » هذه الجملة الكونيّة في محلّ نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنّه الضمير في « تأتيهم » .
والثاني : أنّه « من آية » وذلك لتخصيصها « 6 » بالوصف .
و « تأتيهم » يحتمل أن يكون ماضي المعنى « 7 » لقوله : « كانوا » ، ويحتمل أن يكون مستقبل المعنى ؛ لقوله « تأتيهم » .
واعلم أنّ الفعل الماضي لا يقع بعد « إلّا » إلّا بأحد شرطين : إمّا وقوعه بعد فعل
هامش
( 1 ) في أ : المذهب .
( 2 ) ثبت في ب : فصل .
( 3 ) وهذان الشرطان هما : أن يكون مجرورها نكرة ، والثاني : أن يسبق بنفي أو نهي أو استفهام .
( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 9 .
( 5 ) ينظر : الرازي 12 / 130 .
( 6 ) في ب : لتخصيصهم .
( 7 ) في أ : الفعل .