تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
« سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
كان هذا من قول اللّه فيدلّ على أنه - تعالى - قال لهم في الدّنيا : سلام عليكم كتب ربّكم على نفسه الرحمة . ومنهم من قال « 1 » : بل هذا من كلام الرّسول صلى اللّه عليه وسلم .

فصل في معنى « كتب »

كتب كذا [ على فلان ] « 2 » يفيد الإيجاب ، أي : بمعنى قضى ، وكلمة « على » أيضا تفيد الإيجاب ، ومجموعهما مبالغة في الإيجاب ، وهذا يقتضي كونه - تعالى - راحما لعباده على سبيل الوجوب ، واختلفوا في ذلك الوجوب ؟ فقال أهل « 3 » السّنّة : له - سبحانه وتعالى - أن يتصرّف في عباده كيف شاء وأراد إلّا أنه أوجب الرّحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة « 4 » : إنّ كونه عالما بقبح القبائح ، وعالما بكونه غنيّا عنها يمنعه من الإقدام على القبائح ، ولو فعله كان ظالما ، والظّلم قبيح ، والقبح منه محال .

فصل في الدلالة في الآية

دلّت هذه الآية على جواز تسمية ذات اللّه - تعالى - بالنفس ، أيضا قوله تعالى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] يدلّ عليه ، والنّفس هنا بمعنى الذّات والحقيقة ، لا بمعنى الجسم والدّم ؛ لأنه - تعالى - مقدّس عنه ؛ لأنه لو كان جسما لكان مركّبا ، والمركّب ممكن . وأيضا إنه أحد ، والأحد لا يكون مركّبا ، وما لا يكون مركبا لا يكون جسما . وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسما لحصل له مثل ، وذلك باطل ؛ لقوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] .

فصل في دحض شبهة المعتزلة

قالت المعتزلة « 5 » :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
ينافي كونه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذّبه عليه أبد الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه من الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان ، ثم يعذبه على ذلك . وأجيب بأنه - تعالى - نافع ضارّ محيي مميت ، فهو - تعالى - فعل تلك الرّحمة البالغة ، وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين .
هامش
( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 4 . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 4 . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 4 - 5 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 175 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب