تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
إليه ، وقيل : ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والمقصود : بيان أنّ حرمة القتل كانت ثابتة من أوّل زمان التّكليف . وقوله : « إلا خطأ » فعلى القول بأنّه متّصل ؛ ذكروا وجوها : أحدها : أن هذا الاستثناء معناه : أن الإنسان يؤاخذ على القتل ، إلا إذا كان القتل قتل خطأ ، فإنّه لا يؤاخذ به . وثانيها : أنه استثناء صحيح على ظاهر اللّفظ ، والمعنى : ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتّة إلا عند الخطأ ، وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفّار ، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا . فحينئذ يجوز قتله . ثالثها : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ؛ كقوله - [ تعالى ] « 1 » - :
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
[ مريم : 35 ] أي : وما كان اللّه ليتّخذ من ولد ؛ لأنّه - تعالى - لا يحرّم عليه شيء ، إنّما ينفى عنه ما لا يليق به . قال القرطبي « 2 » : قوله :
وَما كانَ
ليس على النّفي ، وإنّما هو على التّحريم والنّهي ؛ كقوله :
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ
[ الأحزاب : 53 ] ولو كانت على النّفي ، لما وجد مؤمن قتل مؤمنا [ قط ] « 3 » ؛ لأن ما نفاه اللّه لا يجوز وجوده ؛ كقوله
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
[ النمل : 60 ] ، معناه : ما كنتم لتنبتوا ؛ لأنه - تعالى - لم يحرّم عليهم أن ينبتوا الشجر ، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها ، فإنه - تعالى - هو القادر على إنبات الشّجر . ورابعها : أن وجه الإشكال « 4 » في اتّصال هذا الاستثناء أن يقال : الاستثناء من النّفي إثبات ، وهذا يقتضي الإطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال ، وذلك محال ؛ لأن ذلك الإشكال إنّما يلزم إذا سلّمنا أنّ الاستثناء من النّفي إثبات ، وذلك مختلف فيه بين الأصوليّين ، والصّحيح أنّه لا يقتضيه ؛ لأن الاستثناء يقتضي نفي الحكم عن المستثنى ، لا صرف المحكوم به عنه ، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط ، بقي المستثنى غير محكوم عليه ، لا بالنّفي ولا بالإثبات ، وحينئذ يندفع الإشكال ، وممّا يدلّ على أنّ الاستثناء في المنفيّ ليس بإثبات ، قوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا صلاة إلّا بطهور « 5 » ولا نكاح إلّا بوليّ » ويقال : لا ملك إلا بالرّجال ، ولا رجال إلّا بالمال ، والاستثناء في هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النّفي إثباتا .
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 5 / 201 . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : الإمكان . ( 5 ) أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في « التمهيد » ( 8 / 215 ) .