المعمول ، وهو « إيّاهم » حيث لا يتقدّم العامل ؛ لأن الخبر متى كان فعلا رافعا لضمير مستتر ، امتنع تقديمه على المبتدأ ، لئلا يلتبس بالفاعل ، نحو : زيد ضرب عمرا ، وأصل منشأ هذا البحث تقديم خبر « ليس » عليها ، أجازه الجمهور ؛ لقوله - تعالى - :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
[ هود : 8 ] ووجه الدّليل أن « يوم » معمول ل « مصروفا » وقد تقدّم على « ليس » ، وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل ، فعورضوا بما ذكرنا .
فصل في تفسير القول البليغ
قيل المراد ب « القول البليغ » : التّخويف باللّه - عزّ وجلّ - ، وقيل : توعّدهم بالقتل إن لم يتوبوا .
وقال الحسن : القول البليغ أن يقول لهم : إن أظهرتم ما في قلوبكم من النّفاق ، قتلتم ؛ لأنه يبلغ في نفوسهم كلّ مبلغ .
وقال الضّحّاك :
« فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ »
في الملأ [ الأعلى ] « 1 » ،
« وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً »
في السّرّ والخلاء .
وقيل : هذا منسوخ بآية القتال .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 64 ]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 )
هامش
- والثالث : مذهب الكوفيين : وهو جواز تقدمه مطلقا ؛ لأن معمول الفعل عندهم في حكم معموله ، والخبر قد سبق أنه يجوز إيلاؤه الفعل ، وتقدمه على الاسم ، فكذلك معموله ، وقد احتجوا لمذهبهم بقول الفرزدق يهجو قوم جرير بالفجور والخيانة :قنافذ هدّاجون حول بيوتهم * ما كان إياهم عطية عوداووجه الحجة منه : أن إياهم « معمول لعوّد » الذي هو ضمير « كان » ؛ وقد وليها ، وتقدم على « عطية » الذي هو الاسم ، مع أنه ليس بظرف ولا جار ومجرور ، وإذا جاز ذلك مع تقدم المعمول وحده فلأن يجوز مع تقدم معموله وهو الخبر من باب أولى .
والذي قاله البصريون في هذا البيت : هو أنه لا يدلّ على جواز تقديم المعمول إذا كان غير ظرف ولا جار ومجرور ، فهم يقولون : « إن « عطية » ليس اسما ل « كان » ولهم في البيت توجيهات :
أحدها : أن يكون اسم « كان » ضمير الشأن ، و « عطية » ، مبتدأ وجملة « عودا » خبره ، وجملة المبتدأ وخبره خبر « كان » ، فلم يتقدم معمول خبرها على اسمها .
ثانيها : أن يكون « كان » زائدة ، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها صلة « ما » .
ثالثها : أن يكون اسم « كان » ضميرا مستترا يعود على « ما » الموصولة ، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب خبر « كان » ، وجملة « كان » ومعمولها لا محل لها صلة الموصول ، والعائد محذوف ، والتقدير :
ما كان عطية عودهم به .
ومنهم من يقول : إن هذا البيت من الضرورات التي تباح للشاعر ، وإذن فلا يحتج به ، ومما يشهد لما ذهب إليه الكوفيون أيضا قوله الشاعر :لئن كان سلمى الشيب بالصدّ مغريا * لقد هون السلوان عنها التحلم( 1 ) سقط في ب .