عليه ما هو أشكل من هذا فيحتمل أن يكون تبع غيره في هذا السهو - وهو الظاهر من كلامه - ولم ينظر في الآية ، اتكالا على ما رآه منقولا ، وكثيرا ما يقع الناس فيه ، وأن يعتقد أنّ « الذين » فاعل بقوله : « وليعلم » أي : فعل اللّه ذلك ليعلم هو المؤمنين ، وليعلم المنافقون ، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز البتة .
قوله : « وقعدوا » يجوز في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أن تكون حالية من فاعل « قالوا » و « قد » مرادة أي : وقد قعدوا ، ومجيء الماضي حالا بالواو و « قد » أو بأحدهما ، أو بدونهما ، ثابت من لسان العرب .
الثاني : أنها معطوفة على الصلة ، فتكون معترضة بين « قالوا » ومعمولها ، وهو
« لَوْ أَطاعُونا »
.
فصل في المراد ب « الذين »
قال المفسّرون المراد ب « الذين » عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه . وقال الأصم : هذا لا يجوز ؛ لأن عبد اللّه بن أبي خرج مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في الجهاد يوم أحد ، وهذا القول واقع ممن تخلّف ، لأنه قال :
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا
أي في القعود
« ما قُتِلُوا »
فهو كلام متأخر عن الجهاد قاله لمن خرج إلى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ؛ ليجعله شبهة فيما بعد ، صارفا لهم عن الجهاد .
وهذا فيه نظر ؛ لأنه يحتمل أنه أراد بقوله : « وقعدوا » القعود عن القتال ، لا عن الخروج إلى القتال ؛ فإنّ عبد اللّه بن أبيّ خرج إلى القتال ، ولم يقاتل ، بل هرب بمن معه ، ويطلق عليه أنه قعد عن القتال وهو القائل هذا الكلام .
وقوله :
لِإِخْوانِهِمْ
أي : لأجل إخوانهم - وقد تقدم : هل المراد - من هذه الأخوة - الأخوة في النسب ، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدّار ، أو في عداوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو في عبادة الأوثان ؟
قوله :
قُلْ فَادْرَؤُا
ادفعوا
عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
ذكر ذلك على سبيل الجواب لقولهم :
لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا .
فإن قيل : ما وجه هذا الاستدلال مع أن الفرق ظاهر ؛ فإن التحرّز عن القتل ممكن ، وأما التحرز عن الموت فغير ممكن ألبته ؟
فالجواب : أن هذا الدليل لا يتمشى إلا إذا قلنا : إنّ الكلّ بقضاء اللّه وقدره ، فحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق ، فيصح الاستدلال ، أما إذا قلنا : بأن فعل العبد ليس بتقدير اللّه وقضائه ، كان الفرق بين القتل والموت ظاهرا .
وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي : في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره ، والوصول إلى المطالب .