الآخر إرادة لما علم كونه محالا ، وذلك محال ، وأيضا فإنّه تعالى إذا كان يريد التّوبة من الكلّ ، ويريد الشّيطان أن تميلوا ميلا عظيما ، ثمّ يحصل مراد الشّيطان لا مراد الرحمن ، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتمّ من نفاذ الرحمن في ملك نفسه ، وذلك محال ؛ فثبت أن قوله
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التّوبة لهم .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 28 ]
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 )
في هذه الجملة احتمالان :
أصحّهما : أنّها مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب .
والثّاني : أنّها حال من قوله
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
العامل فيها يريد أي :
واللّه يريد أن يتوب عليكم يريد أن يخفف عنكم ، وفي هذا الإعراب نظر من وجهين :
أحدهما : أنّه يؤدّي إلى الفصل بين الحال ، وبين عاملها بجملة معطوفة على جملة العامل في الحال في ضمير تلك الجملة المعطوف عليها ، والجملة المعطوفة وهي
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
جملة أجنبيّة « 1 » من الحال وعاملها .
والثّاني : أنّ الفعل الذي وقع حالا رفع الاسم الظّاهر فوقع الرّبط بالظاهر ؛ لأن
يُرِيدُ
رفع اسم اللّه ، وكان من حقّه أن يرفع ضميره ، والرّبط بالظّاهر إنّما وقع بالجملة الواقعة خبرا أو وصلة ، أمّا الواقعة حالا وصفة فلا ، إلا أن يرد به سماع ، ويصير هذا الإعراب نظير : « بكر يخرج يضرب بكر خالدا » ولم يذكر مفعول التخفيف فهو « 2 » محذوف ، فقيل تقديره : يخفف عنكم تكليف النظر ، وإزال الحيرة ، وقيل : إثم ما يرتكبون ، وقيل : عام في جميع أحكام الشرع وقد سهل علينا كما قال تعالى
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
] « 3 » [ الأعراف : 157 ] وقال عليه السلام :
« بعثت بالحنيفية السمحة » . وقال
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة :
185 ] وقال
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج : 78 ] وقال مجاهد ومقاتل : المراد به [ إباحة ] « 4 » نكاح الأمة عند الضرورة « 5 » .
قوله تعالى :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
والمعنى أنه لضعفه خفف تكليفه ، والأقرب أن يحمل هذا الضعف على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة لا على ضعيف الخلقة [ لأن ضعيف الخلقة ] « 6 » لو قوى اللّه داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في
هامش
( 1 ) في ب : اسمية .
( 2 ) في ب : وهو .
( 3 ) سقط في ب .
( 4 ) سقط في ب .
( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 215 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 257 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .
( 6 ) سقط في أ .