وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أي : لهم عذاب أليم ممن له ملك السماوات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا المالك القادر ؟
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 190 إلى 192 ]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 )
اعلم أنه - تعالى - لما قرّر الأحكام ، وأجاب عن شبه المبطلين ، عاد إلى ذكر ما يدل على التوحيد فذكر هذه الآية .
قال ابن عبيد قلت لعائشة - رضي اللّه عنها - : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبكت وأطالت ، ثم قالت : كلّ أمره عجب ، أتاني في ليلتي ، فدخل في لحافي ، حتى ألصق جلده بجلدي ، ثم قال لي : يا عائشة ، هل لك أن تأذني لي اللّيلة في عبادة ربّي ؟ فقلت : يا رسول اللّه ، إنّي لأحبّك وأحبّ مرادك ، فقد أذنت لك ، فقام إلى قربة من ماء في البيت ، فتوضّأ ، ولم يكثر من صبّ الماء ، ثمّ قام يصلّي ، فقرأ من القرآن ، وجعل يبكي ، ثمّ رفع يديه ، فجعل يبكي حتّى رأيت دموعه قد بلّت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة ، فرآه يبكي ، فقال : يا رسول اللّه ، أتبكي وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال : يا بلال ، أفلا أكون عبدا شكورا ، ثمّ قال : ما لي لا أبكي وقد أنزل اللّه في هذه اللّيلة :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الآيات ، ثمّ قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها « 1 » . وروي : ويل لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل فيها « 2 » .
وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قام من الليل يتسوك ، ثم ينظر إلى السماء ويقول :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ .
واعلم أنه - تعالى - ذكر هذه الآية في سورة البقرة « 3 » ، وختمها بقوله :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *
وختمها هنا - بقوله :
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
وذكر في سورة البقرة - مع هذه
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حبان ( 523 - موارد ) وأبو الشيخ في « أخلاق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » ص : 186 .
وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 195 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في « التفكر » وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم والأصبهاني في « الترغيب » وابن عساكر عن عطاء .
أما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أفلا أكون عبدا شكورا فهو عند البخاري كتاب التفسير باب : ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ( 4837 ) .
( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 9 / 109 ) .
( 3 ) آية : 164 .