تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
قال السّديّ والكلبيّ : يعني جميع المؤمنين « 1 » الذين عرفوا وحدانية اللّه - تعالى - بالدلائل القاطعة ؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار بها مقرونا بالعلم ، ولذلك قال - عليه السلام - : « إذا علمت مثل الشّمس فاشهد » . فإن قيل : إذا كانت شهادة اللّه عبارة عن إقامة الدلائل ، وشهادة الملائكة ، وأولي العلم عبارة عن الإقرار ، فكيف جمعهما في اللفظ ؟ فالجواب : أن هذا ليس ببعيد ، ونظيره قوله - تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
[ الأحزاب : 56 ] ، ومعلوم أن الصلاة من اللّه تعالى الرحمة - كما ورد - ومن الملائكة الدعاء ، ومن المؤمنين الاستغفار ، وقد جمعهما في اللفظ .

[ فصل في دلالة هذه الآية ]

فصل دلّت هذه الآية على فضل العلم وشرف العلماء ؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنه اللّه باسمه واسم ملائكته ، كما قرن اللّه اسم العلماء ، وقال تعالى - لنبيه - :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر اللّه - تعالى - نبيّه المزيد منه ، كما أمره أن يستزيد من العلم . وقال عليه السلام : « العلماء ورثة الأنبياء » ، وقال : « العلماء أمناء اللّه على خلقه » [ وهذا شرف للعلماء عظيم ، ومحل لهم في الدين خطير ] « 2 » . قوله تعالى :
قائِماً بِالْقِسْطِ
في نصبه أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على الحال ، واختلفوا في ذلك ؛ فبعضهم جعله حالا من اسم « اللّه » ، فالعامل فيها « شهد » . قال الزمخشري : وانتصابه على أنه حال مؤكّدة منه ، كقوله تعالى :
وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً
[ البقرة : 91 ] . قال أبو حيّان : وليس من باب الحال المؤكدة ؛ لأنه ليس من باب
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
[ مريم : 15 ] ولا من باب : أنا عبد اللّه شجاعا فليس « قائما بالقسط » بمعنى « شهد » وليس مؤكدا مضمون الجملة السابقة في نحو : أنا عبد اللّه شجاعا ، وهو زيد شجاعا ، لكن في هذا التخريج قلق في التركيب ؛ يصير كقولك : أكل زيد طعاما وعائشة وفاطمة جائعا ، ففصل بين المعطوف عليه ، والمعطوف بالمفعول ، وبين الحال وصاحبه بالمفعول ، والمعطوف ، لكن يمشيه كونها كلّها معمولة لعامل واحد . قال شهاب الدين « 3 » : مؤاخذته له في قوله « مؤكّدة » غير ظاهرة ، وذلك أن الحال على قسمين :
هامش
( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 2 / 42 .