تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
وقوله : « فاستشهدوا » يجوز أن تكون السّين على بابها من الطّلب ، أي : اطلبوا شهيدين ، ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل ، نحو : استعجل بمعنى أعجل ، واستيقن بمعن أيقن فيكون « استشهدوا » بمعنى شهدوا ، يقال أشهدت الرّجل واستشهدته بمعنى واحد ، والشّهيدان : هما الشّاهدان ، فعيل بمعنى فاعل . وفي قوله : « شهيدين » تنبيه على أنّه ينبغي أن يكون الشّاهد ممّن تتكرّر منه الشّهادة ، حيث أتى بصيغة المبالغة . قوله :
« مِنْ رِجالِكُمْ »
يجوز أن يتعلّق باستشهدوا ، وتكون « من » لابتداء الغاية ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف ، على أنّه صفة لشهيدين ، و « من » تبعيضية .

فصل [ في المراد بقوله : « من رجالكم » ]

في المراد بقوله : « من رجالكم » ثلاثة أقوال : أحدها : قال أكثر العلماء : المراد الأحرار المسلمون . الثاني : قال شريح ، وابن سيرين : المراد المسلمون ؛ فيدخل العبيد « 1 » . الثالث : من رجالكم الّذين تعدونهم للشّهادة ، بسبب العدالة . حجّة شريح ، وابن سيرين : عموم الآية ؛ ولأنّ العدالة لا تختلف بالحريّة والرّقّ ، واحتجّ الآخرون بقوله تعالى :
« وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا »
، وهذا يقتضي : أنّ الشّاهد ؛ يجب عليه الذّهاب إلى موضع أداء الشّهادة ، ويحرم عليه الامتناع والإجماع على أنّ العبد لا يجب عليه الذّهاب ، فلا يكون شاهدا ، وهذا مذهب الشّافعي ، وأبي حنيفة . والجواب عن قوله :
« مِنْ رِجالِكُمْ »
، أي : الذين تعدّونهم لأداء الشّهادة ، كما قدّمناه . قوله :
« فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ »
، جوّزوا في : « كان » هذه أن تكون النّاقصة ، وأن تكون التامة ، وبالإعرابين يختلف المعنى : فإن كانت ناقصة فالألف اسمها ، وهي عائدة على الشّهيدين أي : فإن لم يكن الشّاهدان رجلين ، والمعنى على هذا : إن أغفل ذلك صاحب الحقّ ، أو قصد أن لا يشهد رجلين لغرض له ، وإن كانت تامّة فيكون « رجلين » نصبا على الحال المؤكّدة كقوله :
فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ
[ النساء : 176 ] ، ويكون المعنى على هذا أنه لا يعدل إلى ما ذكر إلا عند عدم الرّجال . والألف في « يكونا » عائدة على « شهيدين » ، تفيد الرجولية .

فصل [ في الاستشهاد رجل وامرتين ]

قال القرافيّ : العلماء يقولون : إذا ورد النّصّ بصيغة « أو » فهو للتّخيير ، كقوله تعالى :
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ
[ المائدة :
هامش
( 1 ) انظر : تفسير القرطبي ( 3 / 252 ، 253 ، 254 ) والبحر المحيط ( 2 / 362 ) .