ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ، وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض ، فلما انقطعت النبوة أبدل اللّه مكانهم قوما من أمة محمد يقال لهم الأبدال ، لم يفضلوا النّاس بكثرة صوم ، ولا صلاة ، ولكن بحسن خلق ، وصدق الورع ، وحسن النّية ، وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنّصيحة لهم ابتغاء مرضاة اللّه ، بصبر ، وحلم ، ولبّ ، وتواضع في غير مذلّة فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم اللّه سبحانه لنفسه ، واستخلصهم بعلمه لنفسه ، وهم أربعون صدّيقا ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن بهم يرفع اللّه المكاره ، والبلايا عن النّاس ، وبهم يمطرون ، ويرزقون ، لا يموت الرّجل منهم ، حتى يكون اللّه قد أنشأ من يخلفه « 1 » .
وقال سفيان الثّوري : « هم الشّهود الذين تستخرج بهم الحقوق » .
الخامس : قال ابن عبّاس ومجاهد : ولولا دفع اللّه بجنود المسلمين ؛ لغلب المشركون على الأرض ، فقتلوا المؤمنين ، وخربوا المساجد ، والبلاد « 2 » .
السادس : أن يحمل اللفظ على الكل ؛ لأن بين هذه الأقسام قدرا مشتركا ، وهو دفع المفسدة ، فإذا حملنا اللّفظ عليه ، دخلت الأقسام بأسرها فيه .
فصل في بطلان مذهب الجبر
قال القاضي « 3 » : هذه الآية من أقوى الدّلائل على بطلان الجبر ؛ لأنه إذا كان الفساد من خلقه لم يكن لقوله :
« وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ »
تأثير في زوال الفساد ؛ لأن على قولهم إنّما لا يقع الفساد بسبب ألا يفعله اللّه تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى النّاس ، والجواب : أنّ اللّه تعالى لمّا كان عالما بوقوع الفساد ، فإذا صح مع ذلك العلم ألّا يقع الفساد كان المعنى أنه لا يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد ، فيلزم أن يكون العبد قادرا على الجمع بين النّفي والإثبات ، وهو محال ويؤيد ذلك قوله تعالى مستدركا
« وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ »
بين أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم فلو كان دفع الفساد بهذا الطريق فعل العبد لكان الفضل للعبد ؛ لأنه الدّافع على قولهم ، ولم يكن للّه تعالى على العالمين فضل سبب ذلك الدّفع . فإن قالوا : نحمل هذا على البيان ، والإرشاد .
قلنا : كلّ ذلك قائم في حقّ الكفّار ، والفجّار ، ولم يحصل منهم دفاع .
قوله :
« وَلكِنَّ اللَّهَ »
وجه الاستدراك أنه لمّا قسّم النّاس إلى مدفوع ومدفوع به ، وأنّه بهذا الدّفع امتنع فساد الأرض ، فقد يهجس في نفس من غلب عمّا يريد من الفساد أنّ اللّه
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « كتاب الأولياء » كما في « الدر المنثور » ( 1 / 569 ) .
( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 373 ) عن مجاهد بمعناه .
( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 163 .