تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
والثاني : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : حال كونكم مضارّين لهنّ . قوله : « لتعتدوا » هذه لام العلّة ، أي : لا تضارّوهنّ على قصد الاعتداء عليهن ، فحينئذ تصيرون عصاة للّه تعالى ، وتكونوا معتدين ؛ لقصدكم تلك المعصية . وأجاز أبو البقاء « 1 » : أن تكون لام العاقبة ، أي : الصيرورة ، كقوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] ، وفي متعلقها وجهان : أحدهما : أنه
« لا تُمْسِكُوهُنَّ »
. والثاني : أنه المصدر ، إن قلنا : إنه حال ، وإن قلنا : إنه مفعول من أجله ، تعلّقت به فقط ؛ وتكون علة للعلة ؛ كما تقول : « ضربت ابني ؛ تأديبا ؛ لينتفع » ، فالتأديب علة للضرب ، والانتفاع علة للتأديب ، ولا يجوز أن تتعلّق - والحالة هذه - ب
« لا تُمْسِكُوهُنَّ »
. و « تعتدوا » منصوب بإضمار « أن » ، وهي وما بعدها في محلّ جر بهذه اللام ، كما تقدّم تقريره ، وأصل « تعتدوا » : تعتديوا ، فأعلّ كنظائره . قوله :
« وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ »
أدغم أبو الحارث « 2 » ، عن الكسائي ، اللام في الذال ، إذا كان الفعل مجزوما كهذه الآية ، وهي في سبعة مواضع في القرآن :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 231 ] في موضعين ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ
[ آل عمران : 28 ] ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً
[ النساء : 30 ] ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
[ النساء : 114 ] ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
[ الفرقان : 68 ] ،
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ المنافقون : 9 ] . وجاز لتقارب مخرجيهما ، واشتراكهما في : الانفتاح ، والاستفال ، والجهر . وتحرّز من غير المجزوم نحو : يفعل ذلك . وقد طعن قوم على هذه الرواية ، فقالوا : لا تصحّ عن الكسائي ؛ لأنها تخالف أصوله ، وهذا غير صواب .

فصل في سبب النزول

هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار يدعى : ثابت بن يسار ، طلّق امرأته ، حتى إذا قارب انقضاء عدّتها ، راجعها ، ثمّ طلّقها ؛ يقصد مضارّتها « 3 » . فإن قيل : ذكر هذه الآية بعد قوله :
« الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ »
تكرير لكلام واحد ، في موضوع واحد ، من غير زيادة فائدة ، وهو لا يجوز ؟ !
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 96 . ( 2 ) الليث بن خالد روى عنه سلمة بن عاصم توفي سنة 240 ه ينظر غاية النهاية 2 / 24 . ( 3 ) تقدم .