تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في محاذاة الكعبة لا يمكنه أن يعرف أنه وقع في محاذاتها ، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أن المحاذاة معتبرة . فإن قيل : الدائرة وإن كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون محاذية لمركز الدائرة ، فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة بالكعبة ، والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت صغر التّقوّس والانحناء في جميعها ، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس والانحناء في كل واحد من قسمها ، بل نرى كل قطعة منها شبيها بالخطّ المستقيم ، فلا جرم صحت الجماعة بصفّ طويل في المشرق والمغرب يزيد طولها على أضعاف البيت ، والكلّ يسمون متوجهين إلى عين الكعبة . قلنا : هب أن الأمر على ما ذكرتموه ، ولكن القطعة من الدائرة العظيمة ، وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس ، إلا أنها لا بد وأن تكون منحنية في نفسها ؛ لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة ، وكذا القول في جميع قطع تلك الدائرة ، فحينئذ تكون الدّائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتّصل بعضها ببعض ، فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطّا مستقيما ، وكل ذلك محال ، فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنية ، فالصفوف المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منها مستقبلا لعين الكعبة لو لم تكن تلك الصفوف واقعة على خط مستقيم ، بل إذ حصل فيها ذلك الانحناء القليل إلّا أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس البتة ، لا يمكن أن يكون في محلّ التكليف ، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء الصفوف جاهلا بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أو لا ؟ فلو كان استقبال عين الكعبة شرطا لكان حصول هذا الشرط مجهولا للكلّ والشّك في حصول الشرط يقتضي الشّك في حصول المشروط ، فوجب أن يبقى كل واحد من أهل هذه الصفوف شاكّا في صحة صلاته ، وذلك يقتضي أن لا يخرج عن العهدة البتة . وحيث اجتمعت الأمة على أنه ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا علما ولا ظنّا ، وهذا كلام بيّن . الثاني : أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لا سبيل إليه إلّا بالدلالة الهندسية ، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب ، فكان يلزم أن يكون تعلم الدلالة الهندسية واجبا على كل واحد ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب . فإن قيل : عندنا استقبال عين الجهة واجب ظنّا لا يقينا ، والمفتقر إلى الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقينا لا ظنّا . قلنا : لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لكان القادر على تحصيل اليقين ، لا يجوز له الاكتفاء بالظن ، والقادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل الهندسية ، فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل ، ولما لم يجب ذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 41 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب