تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
وقوله :
« وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ »
إشارة إلى قهر القوة الوهمية ، التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات اللّه ، وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه ، وأسمائه ، وهي الباعثة على منازعة الناس ، ومماراتهم ، والمخاصمة معهم في كل شيء ، فلمّا كان سبب الشّرّ محصورا في هذه الأمور الثلاثة ؛ لا جرم لم يذكر معها غيرها .

فصل [ فيمن عاب الاستدلال والبحث والنظر ]

من الناس من عاب الاستدلال ، والبحث ، والنّظر ، والجدال ؛ واحتجّ بقوله تعالى :
« وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ » ،
وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال ، ولو كان الجدال في الدين طاعة ، لما نهي عنه في الحج ، بل على ذلك التقدير ، يكون الاشتغال بالجدال ضمّ طاعة إلى طاعة ، فيكون أولى بالترغيب فيه . وأيضا قال تبارك وتعالى :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
[ الزخرف : 58 ] ، عابهم بكونهم من أهل الجدل ، فدلّ على أن الجدل مذموم ، وقال تبارك وتعالى :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[ الأنفال : 46 ] فنهى عن المنازعة . وأمّا جمهور المتكلّمين فقالوا : الجدال في الدين طاعة عظيمة ؛ لقوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] ، وحكى قول الكفّار لنوح - عليه السلام -
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
[ هود : 32 ] ، ومعلوم أنّ ذلك الجدال إنما كان لتقرير أصول الدين ، فيحمل الجدال المذموم على الجدل في تقرير الباطل ، وطلب المال ، والجاه ، والجدال الممدوح على الجدل في تقرير الحقّ ، ودعوة الخلق إلى سبيل اللّه ، والذّبّ عن دين اللّه . قوله :
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ »
تقدّم الكلام على نظيرتها ، وهي :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ »
فكلّ ما قيل ثمّ ، يقال هنا . قال أبو البقاء « 1 » رحمه اللّه « ونزيد هنا وجها آخر : وهو أن يكون « من خير » في محلّ نصب نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : وما تفعلوا فعلا كائنا من خير » . و « يعلمه » جزم على جواب الشّرط ، ولا بدّ من مجاز في الكلام : فإمّا أن يكون عبّر بالعلم عن المجازاة على فعل الخير ، كأنّه قيل : يجازيكم ، وإمّا أن تقدّر المجازاة بعد العلم ، أي : فيثيبه عليه . وفي قوله :
« وَما تَفْعَلُوا »
التفات ؛ إذ هو خروج من غيبة في قوله : « فمن فرض » وحمل على معنى « من » إذ جمع الضمير ولم يفرده . وقد خبط بعض المعربين ، فقال : « من خير » متعلّق بتفعلوا ، وهو في موضع
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 86 .