تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
واعلم : أنّ الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ؛ فلذلك لا يقال في المضيّع : إنّه منفق ، وإذا قيّد الإنفاق بذكر « سبيل اللّه » ، فالمراد به في طريق الدّين ؛ لأنّ السّبيل هو الطريق ، وسبيل اللّه هو دينه ، فكلّ ما أمر اللّه تعالى به من الإنفاق في دينه ، فهو داخل في الآية الكريمة ، سواء كان في حجّ ، أو عمرة ، أو كان جهادا بالنّفس أو تجهيزا للغير أو كان إنفاقا في صلة الرّحم ، أو في الصّدقات ، أو على القتال ، أو في الزّكاة ، أو الكفّارة ، أو في عمارة السّبيل ، وغير ذلك ، إلّا أنّ الأقرب في هذه الآية الكريمة ذكر الجهاد ، فالمراد هاهنا الإنفاق في الجهاد ؛ لأنّ هذه الآية الكريمة ، إنّما نزلت وقت ذهاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، وعظّم - لعمرة القضاء ، وكانت تلك العمرة لا بدّ من أن تفضي إلى القتال ، إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهادا ، فاجتمع فيها المعنيان ؛ فلا جرم ، قال تعالى
« وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » .
قوله تعالى :
« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ » .
في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها زائدة في المفعول به ؛ لأن « ألقى » يتعدّى بنفسه ؛ قال تبارك وتعالى
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ
[ الشعراء : 45 ] ، وقال القائل : [ الكامل ]
976 - حتّى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثّغور ظلامها « 1 »
فزيدت الباء في المفعول ، كما زيدت في قوله : [ الطويل ]
977 - وألقى بكفّيه الفتى استكانة * من الجوع وهنا ما يمرّ وما يحلو « 2 »
وهذا قول أبي عبيدة ، وإليه ميل الزمخشري ، قال : « والمعنى : ولا تقبضوا التهلكة أيديكم ، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم » ، إلا أنه مردود بأنّ زيادة الباء في المفعول به لا تنقاس ، إنما جاءت في الضّرورة ؛ كقوله : [ البسيط ]
978 - . . . * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور « 3 »
الثاني : أنها متعلقة بالفعل غير زائدة ، والمفعول محذوف ، تقديره : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، ويكون معناها السّبب ؛ كقولك : لا تفسد حالك برأيك . الثالث : أن يضمّن « ألقى » معنى ما يتعدّى بالباء ؛ فيعدّى تعديته ، فيكون المفعول به
هامش
( 1 ) البيت للبيد . ينظر : ديوانه 316 ، والبحر المحيط 2 / 79 ، والدر المصون 1 / 483 . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 79 ) الدر المصون ( 1 / 483 ) ولم نعثر له على قائل إلا أن في ديوان زهير 83 قوله :وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا * على صير أمر ما يمرّ وما يحلو( 3 ) تقدم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 352 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب