تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ولا بدّ من إضمار قول بعد فاء الجزاء ، تقديره : فقل لهم إنّي قريب ، وإنما احتجنا إلى هذا التقدير ؛ لأنّ المترتّب على الشّرط الإخبار بالقرب ، وجاء قوله « أجيب » ؛ مراعاة للضمير السابق على الخبر ، ولم يراع الخبر ، فيقال : « يجيب » بالغيبة ؛ مراعاة لقوله : « قريب » ؛ لأنّ الأشهر من طريقتي العرب هو الأوّل ؛ كقوله تعالى :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ النمل : 55 ] وفي أخرى
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
[ النمل : 47 ] ، وقول الشاعر : [ الطويل ]
948 - وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة * إذا ما رأته عامر وسلول « 1 »
ولو راعى الخبر ، لقال : « ما يرون القتل » . وفي قوله : « عنّي » و « إنّي » التفات من غيبة إلى تكلّم ؛ لأنّ قبله : « ولتكبّروا اللّه » والاسم الظاهر في ذلك كالضمير الغائب ، والكاف في « سألك » للنبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وإن لم يجر له ذكر ، إلّا أنّ قوله :
« أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
يدلّ عليه ؛ لأنّ تقديره : « أنزل فيه القرآن على الرّسول - صلى اللّه عليه وسلم - » وفي قوله :
« فَإِنِّي قَرِيبٌ »
مجاز عن سرعة إجابته لدعوة داعيه ، وإلّا فهو متعال عن القرب الحسّيّ ، لتعاليه عن المكان . قال أبو حيّان : والعامل في « إذا » قوله : « أجيب » يعني « إذا » الثانية ، فيكون التقدير : أجيب دعوته وقت دعائه ، فيحتمل أن تكون لمجرّد الظرفية ، وأن تكون شرطية ، وحذف جوابها ؛ لدلالة « أجيب » عليه ؛ وحينئذ لا يكون « أجيب » هذا الملفوظ به هو العامل فيها ، بل ذلك المحذوف ، أو يكون هو الجواب عند من يجيز تقديمه على الشّرط ، وأمّا « إذا » الأولى ، فإنّ العامل فيها ذلك القول المقدّر ، والهاء في « دعوة » ليست الدالّة على المرّة ، نحو : ضربة وقتلة ، بل التي بني عليها المصدر ، نحو : رحمة ونجدة ؛ فلذلك لم تدلّ على الوحدة . والياءان من قوله : « الدّاع - دعان » من الزوائد عند القرّاء ، ومعنى ذلك أنّ الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف ، فمن القرّاء من أسقطها تبعا للرسم وقفا ووصلا . ومنهم من يثبتها في الحالين ، ومنهم من يثبتها وصلا ويحذفها وقفا ، وجملة هذه الزوائد اثنتان وستّون ياء ، فأثبت أبو عمرو وقالون هاتين الياءين وصلا وحذفاها وقفا .

فصل في بيان حقيقة الدّعاء

قال أبو سليمان الخطّابيّ « 2 » : والدّعاء مصدر من قولك : دعوت الشّيء أدعوه دعاء ، ثم أقاموا المصدر مقام الاسم ؛ تقول : سمعت الدعاء ؛ كما تقول : سمعت الصّوت ، وقد
هامش
( 1 ) تقدم برقم 788 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 83 .