تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فكان ذلك نعمة في حقّ الباقين والموجودين في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلم لأنه رفع القتل عن آبائهم ، فكان نعمة في حقهم . وثالثها : أنه - تعالى - لما بين أنّ توبة أولئك ما تمّت إلا بالقتل مع أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل ، بل إن رجعتم عن كفركم ، وآمنتم قبل اللّه إيمانكم فكان بيان التّشديد في تلك التوبة تنبيها على أن توبة الحاضرين نعمة عظيمة لكونها سهلة هيّنة . ورابعها : أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في التوبة ، فإن أمة موسى - عليه الصّلاة والسّلام - لما رغبوا في تلك التّوبة مع [ غاية ] « 1 » مشقّتها على النفس ، فلأن نرغب نحن في التوبة التي هي مجرّد الندم أولى .

فصل في كيفية قتل أنفسهم

أجمعوا على أنه لم يؤمر كلّ واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده ، قال الزّهري : لما قيل لهم :
« فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ »
قاموا صفّين ، وقتل بعضهم بعضا ، حتى قيل لهم : كفّوا ، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحيّ . وقيل : أرسل اللّه عليهم ظلاما ففعلوا ذلك . وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا ، إذ لم يعبدوا العجل . وقيل : إن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال : ملعون من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله ، أو اتّقاه بيد أو رجل . فلم يحلّ أحد منهم حبوته حتى قتل منهم من قتل . ذكره النحاس وغيره . وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم - على القول الأول - لأنهم لم يغيروا المنكر ، وإنما اعتزلوا ، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده . وهذه سنّة اللّه في عبادة ، قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ منهم وأمنع لا يغيّرون إلا عمّهم اللّه بعقاب » « 2 » . فإن قيل : التوبة لا تكون إلا للباري فما الفائدة في ذكره ؟ والجواب : كأنه قال : لما أذنبتم إلى اللّه وجب أن تتوبوا إلى اللّه . فإن قيل : كيف استحقّوا القتل ، وهم تابوا من الردّة ، والتائب من الردة لا يقتل ؟ والجواب : أن ذلك مما يختلف [ بالشرائع ] « 3 » .
هامش
( 1 ) في ب : نهاية . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في السنن ( 2 / 1329 ) كتاب الفتن ( 36 ) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 20 ) حديث رقم ( 4009 ) وأبو داود كتاب الملاحم ب 17 وأحمد ( 4 / 364 ) والبيهقي 10 / 91 . ( 3 ) في ب : بالتشريع .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 83 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب