تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
هارون : إن هذه الثياب والحليّ لا تحلّ لكم ، وكان السّامريّ من مسيره مع موسى - عليه السلام - إلى البحر ينظر إلى حافر دابّة جبريل حين تقدم على فرعون في دخول البحر . قال بعض المفسرين : كان كلما نقل حافره يخضرّ مكانه نبتا ، فلهذا سمي فرس الحياة ، ولا يصيب شيئا إلا حيي ، فقال السّامريّ : « إن لهذا النبت نبأ ، فقبض منه قبضة ، وقيل : قبض من تراب حافره ، فذلك قوله :
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
[ طه : 96 ] ، ثم إن السّامري أخذ ما كان معهم من الذّهب ، فصوّر منه عجلا وألقى فيه تلك القبضة ، فخرج له صوت كالخوار ، فقال القوم :
« هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى »
قال ابن عبّاس : « لأنه كان منافقا يظهر الإسلام ، وكان يعبد البقر ، وكان اسمه موسى بن ظفر » « 1 » . وقيل : متّى . وقيل : هارون ، وإنهم عبدوا العجل بعد مجاوزة النّهر لقوله تعالى :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] . فإن قيل : كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم الذي لا يتحرّك ، ولا يحسّ ، ولا يعقل مستحيل أن يكون إله السماوات والأرض ، وهب أنه ظهر من خوار ، ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها ، وأيضا فإن القوم قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات الظاهرة التي تكون قريبة من حدّ الإلجاء من الدلالة على الصانع وصدق موسى - عليه السّلام - فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حدّ الضرورة ، لا يكون صدور الخوار من ذلك العجل يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلها . قال ابن الخطيب « 2 » : والجواب أنّ هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلّا على وجه واحد ، وهو أن السّامري ألقى إلى القوم أن موسى - عليه السّلام - إنما قدر على ما أتى به ؛ لأنه كان يتّخذ طلسمات على قوى ملكية ، وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات فقال السّامري للقوم : « وأنا أتخذ لكم طلسمات مثل طلسمته ، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب ، فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى - عليه السّلام - في الإتيان بالخوارق ، أو لعلّ القوم كانوا مجسّمة وحلولية ، فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام ، فلذلك وقعوا في تلك الشبهة .

فصل في فوائد من قصة بني إسرائيل

في هذه القصة فوائد :
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 2 / 66 / 67 ) وفي تاريخه : ( 1 / 219 - 220 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر تفسير الرازي : 3 / 71 .