تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
والسلام - أراد أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلم وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه . واعلم أنّ اللّه - تعالى - خاطب المؤمنين بقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين » « 1 » .

فصل في لفظ راعنا

روي أن المسلمين كانوا يقولون : راعنا يا رسول اللّه من المراعاة ، أي : راعنا سمعك أي فرّغ سمعك لكلامنا « 2 » ، يقال : رعى إلى الشيء ورعاه ، أي : أصغى إليه وأسمعه ، وكانت هذه اللفظة شيئا قبيحا بلغة اليهود . وقيل : معناه عندهم اسمع لا سمعت . وقيل : هو من الرّعونة ، وإذا أردوا أن يحمقوا إنسانا قالوا : راعنا بمعنى يا أحمق ، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم : كنا نسبّ محمدا سرّا ، فأعلنوا به الآن ، فكانوا يأتونه ويقولون : راعنا يا محمد ، ويضحكون فيما بينهم ، فسمعها سعد بن معاذ ، ففطن لها ، وكان يعرف لغتهم ، فقال لليهود : لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأضرين عنقه قالوا : أو لستم تقولونها ؟ فأنزل اللّه تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا : راعِنا »
« 3 » لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « وقولوا انظرنا » ويدلّ على هذا قوله تعالى في سورة « النساء » :
وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ
[ النساء : 46 ] . قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى ، إلّا أن أهل « الحجاز » ما كانوا يقولونها إلّا عند الهزل والسخرية ، فلا جرم نهى اللّه عنها . وقيل : إن اليهود كانوا يقولون : راعنا أي : أنت راعي غنمنا فنهاهم اللّه عنها . وقيل : قوله : « راعنا » خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راع كلامي فلا تغفل عنه ،
هامش
( 1 ) ذكر هذا الأثر السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 195 ) عن خيثمة بلفظ : ما تقرءون في القرآن :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »فإنه في التوراة يا أيها المساكين . وعزاه لابن أبي شيبة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 460 ) والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 195 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 195 - 196 ) وعزاه لأبي نعيم في « دلائل النبوة » عن ابن عباس بمعناه .