تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وكان الغرض الأسمى من تأصيل هذه العلوم وتقعيدها خدمة القرآن الكريم ، صيانة له من اللحن ، ولا سيما بعد اتصال العرب بالعجم . وقد أثرت هذه الدراسات في تفسير القرآن تأثيرا كبيرا ، إذ اشتغل اللغويون أنفسهم بالقرآن ولغته ، وكان من أشهر هؤلاء العلماء « أبو عبيدة معمر بن المثنى » المتوفى سنة 208 ه أو 215 ه ، وقد ألف كتابه « مجاز القرآن » سنة 188 ه « 1 » ويعد هذا الكتاب أقدم مؤلف في معاني القرآن وصل إلينا . وأبو عبيدة موسوعة علمية له مؤلفات في مجالات شتى ، وقد « أوتي لسانا صارما جلب على نفسه عداوات كثيرة ، ثم تنفس به العمر قرابة قرن كامل زامل فيه أعلاما كبارا ، وجادل خصوما كثارا ، وشهد تلاميذه ومن في طبقتهم يجادلون عنه ، ويجادلون فيه ، فقرب وباعد ، وواصل وقاطع ، ولكن مخالفيه كانوا من الكثرة بحيث أرهقوه وضايقوه ، حتى جاءه الأجل فلم ينهض لتشييع جنازته أحد ، وعلل ذلك بما ترك من حزازات أدبية » « 2 » . ويحكي أبو عبيدة سبب تأليفه كتاب « مجاز القرآن » فيقول : « أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة ، فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت عليه وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه ، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسي ، وهو جالس عليها فسلمت عليه بالوزارة فرد وضحك إليّ واستدناني حتى جلست إليه على فرشة ثم سألني وألطفني وباسطني ، وقال : أنشدني فأنشدته فطرب وضحك وزاد نشاطه ، ثم دخل رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي وقال له : أتعرف هذا ؟ قال لا . قال هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه . فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا ، وقال لي : إني كنت إليك مشتاقا ، وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها ؟ فقلت : هات ، قال : قال اللّه عز وجل :
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف . فقلت : إنما كلم اللّه تعالى العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس : [ الطويل ]
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط ، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به ، فاستحسن الفضل ذلك واستحسن السائل ، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز ، وسألت عن الرجل السائل فقيل لي : هو من كتاب الوزير وجلسائه وهو إبراهيم بن إسماعيل الكاتب » « 3 » .
هامش
( 1 ) معجم الأدباء 19 / 158 . ( 2 ) خطوات التفسير البياني د . رجب البيومي ص 37 ، 38 ، وراجع : معجم الأدباء 19 / 160 . ( 3 ) معجم الأدباء 19 / 158 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 62 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب