تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
[ وأما فعل الجوارح ؛ فهو أن يأتي بأفعال دالّة على كون المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال ] « 1 » . واعلم أن أهل العلم - رحمهم اللّه - افترقوا في هذا المقام فرقا كثيرة : فمنهم من قال : إنه لا يجوز عقلا أن يأمر اللّه عبيده بأن يحمدوه ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن ذلك التحميد ، إما أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم ، أو لا بناء عليه ، فالأول باطل ؛ لأن هذا يقتضي أنه - تعالى - طلب منهم على إنعامه جزاء ومكافأة ، وذلك يقدح في كمال الكرم ، فإنّ الكريم إذا أنعم لم يطالب بالمكافأة . وأما الثاني : فهو إتعاب للغير ابتداء ، وذلك يوجب الظّلم . الثاني : قالوا : إنّ الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد ، وغير نافع للمحمود ، لأنه كامل لذاته ، والكامل [ لذاته ] يستحيل أن يستكمل بغيره ، فثبت أنّ الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر ، فوجب ألا يكون مشروعا . الثالث : أنّ معنى الإيجاب : أنه لو لم يفعل لاستحقّ العذاب ، فإيجاب حمد اللّه تعالى معناه : أنه لو لم تشتغل بهذا الحمد ، لعاقبتك ، وهذا الحمد لا نفع له في حقّ اللّه تبارك وتعالى ، فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ، ولو تركته [ لعاقبتك ] « 2 » أبد الآباد ، وهذا لا يليق بالحليم الكريم . والفريق الثاني : قالوا : الاشتغال بحمد اللّه - تعالى - سوء أدب من وجوه : الأول : أنه يجري مجرى مقابلة إحسان اللّه بذلك الشّكر القليل . والثاني : أنّ الاشتغال بالشّكر لا يتأتى إلّا مع استحضار تلك النّعم في القلب ، واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . والثالث : أنّ الثناء على اللّه - تعالى - عند وجدان النّعمة يدلّ على أنه إنّما أثنى عليه ؛ لأجل الفوز بتلك النعم ، وهذا الرّجل في الحقيقة معبوده ، ومطلوبه إنما هو تلك النّعم ، وحظّ النّفس ، وذلك مقام نازل . وهذان مردودان بما تقدّم وبأنّ أفعاله وأقواله وأسماءه لا مدخل للعقل فيها ، فقد سمّى روحه ماكرا بقوله تعالى :
وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ آل عمران : 54 ] ، ومتكبرا وغير ذلك ممّا تقدّم في أسمائه من قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] وغيره .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .