الجزء الثالث
سورة بني إسرائيل ( الإسراء ) مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 1 )
( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى )
قيل :
« سُبْحانَ »
كلمة لازمة الإضافة ، دالة على التنزيه بالبليغ من كل قبيح « 1 » ، وهو وصف اللّه تعالى بالبراءة من كل نقص وعيب بالمبالغة ، وقال الزمحشري رحمه اللّه « 2 » : إنه اسم علم مصدر هو التسبيح لا ينصرف بالعلمية وللزائد فيه كعثمان ، منصوب بفعل متروك إظهاره ، تقديره : أسبح اللّه سبحان ، ثم نزل منزلة الفعل ، وفيه معنى التعجب « 3 » ، أي سبحوا اللّه من كل عيب يضيفه إليه الأعداء وتعجبوا من أمره الذي سرى
( بِعَبْدِهِ )
محمد عليه السّلام ، أي سيره
( لَيْلًا )
أي في بعض الليل بدلالة التنكير ، قيل : إنما ذكر الليل ولم يكتف بذكر
« أَسْرى »
الدال عليه إيذانا بأن الإسراء والرجوع كان في جزء من ليلة « 4 » ، وأسرى وسرى بمعنى واحد لا يستعملان إلا في سير الليل خاصة ، يعني سار بعبده ليلا
( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ )
أي من الحرم ، وسمي به لإحاطته بالمسجد ، قال ابن عباس : « الحرم كله مسجد » « 5 » ، أراد أنه سيره من مسجد مكة ، وقيل : « من دار أم هانئ بنت أبي طالب » « 6 » ، وكانت من الحرم بعد البعثة قبل الهجرة بسنة في شهر رمضان أو في رجب بجسده في اليقظة لتواتر الأخبار الصحيحة على ذلك ، وعليه الأكثرون ، وقد روي عن النبي عليه السّلام : « بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرائيل بالبراق » « 7 » ، فذلك حديث الإسراء
( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى )
أي إلى بيت المقدس ، سمي أقصى ، لأنه أبعد من المسجد الحرام ، إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجد يعبد اللّه فيه
( الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ )
ظرف ، أي كثرنا فيه الثمار وأجرينا الأنهار ، وجعلناه مقرا للأنبياء والصالحين ، والمراد « مما حوله » دمشق والأردن وفلسطين وغيرها
( لِنُرِيَهُ )
أي محمد عليه السّلام ، متعلق ب
« أَسْرى »
( مِنْ آياتِنا )
أي علاماتنا العجيبة الدالة على وحدانيتنا في تلك الليلة من عجائب السماوات والأرض
( إِنَّهُ )
أي إن اللّه
( هُوَ السَّمِيعُ )
بأقوال محمد عليه السّلام وأقوال أهل مكة
( الْبَصِيرُ )
[ 1 ] بأفعاله وأفعالهم أو الحافظ له في ظلمة الليل وضوء النهار .
ذكر في حديث المعراج : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبرائيل ، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ إيمانا وحكمة ، فأفرغه في صدري ثم أطبقه ، ثم أتيت ببراق ملجم مسرج ، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته
هامش
( 1 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها .
( 2 ) وقال الزمخشري رحمه اللّه ، ب س : وقيل ، م .
( 3 ) اختصره المؤلف من الكشاف ، 3 / 169 .
( 4 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 169 .
( 5 ) انظر الكشاف ، 3 / 169 .
( 6 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 258 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 169 .
( 7 ) عن مالك بن صعصة ، انظر البغوي ، 3 / 460 .