الجزء الثاني
سورة الأنعام كلها مكية
قيل « 1 » : نزلت ومعها سبعون ألف ملك يسبحون ويحمدون « 2 »
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 )
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
حمد اللّه تعالى ذاته القديم على توحيده الذي دل عليه خلق هذه الأجرام العظام الذي يعجز عنه سواه ، أي جميع المحامد للّه الذي خلق السماوات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وخلق الأرض مع ما فيها من الجبال والبراري والأشجار والثمار والبحار والأنهار
( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ )
أي أحدثهما بعد خلق السماوات والأرض ، لأن الظلمة الظل المنشأ من الأجسام الكثيفة ، والنور الضوء المنشأ من النار ، وهما من الأعراض التي لا تقوم إلا بالجواهر ، قيل : المراد بهما الليالي والأنهر « 3 » ، وإنما جمع الظلمة دون النور لقلة النور وكثرة الظلمات ، لأن لكل كثيف ظل « 4 » وليس لكل شيء نور « 5 » ، والفرق بين الخلق والجعل أن في الخلق معنى التقدير من العدم ، وفي الجعل معنى التصيير من الوجود ، قوله « 6 »
( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )
عطف على قوله
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
بمعنى أن اللّه ما خلق ذلك كله إلا نعمة للناس وغيرهم ، فهو حقيق بكل الحمد على ما خلق ، ثم الذين كفروا أي جحدوا
( بِرَبِّهِمْ )
أي بتوحيده
( يَعْدِلُونَ )
[ 1 ] أي يشركون به غيره فيكفرون نعمته ، و
« ثُمَّ »
لاستبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 2 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 )
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ )
أي خلق أصلكم آدم
( مِنْ طِينٍ )
أي كائنا منه ، لأنه أخذ تراب من وجه الأرض أحمرها وأبيضها وأسودها وغير ذلك « 7 » ، ثم عجن بالماء العذب والملح وغيرهما ، فتلونت أبدانكم واختلفت أخلاقكم ، ثم جعل طينا ثم صور آدم منه ثم نفخ الروح فيه
( ثُمَّ قَضى أَجَلًا )
أي مدة تعيشون بها إلى الموت
( وَأَجَلٌ مُسَمًّى )
مبتدأ نكرة موصوفة ، خبره
( عِنْدَهُ )
أي والمدة التي هي من يوم الموت إلى يوم البعث معلومة له مكتوب « 8 » في اللوح المحفوظ أن البعث لواقع بعد انقضائها يوم القيامة ، وقدم الأجل تعظيما له وإن كان حق المبتدأ النكرة التأخير
( ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ )
[ 2 ] أي تشكون في البعث بعد الموت وتستبعدونه بعد نصب الدلائل عليه ، وهي خلقكم من تراب وحيوتكم مدة وموتكم بعدها « 9 » ، وربكم أقدر على بعثكم من أول خلقكم .
هامش
( 1 ) قيل ، ب س : - م .
( 2 ) أخذه عن البغوي ، 2 / 333 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 472 - 473 .
( 3 ) الأنهر ، س م : الأنهار ، ب .
( 4 ) ظل ، ب م : ظلا ، س .
( 5 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 2 / 57 .
( 6 ) قوله ، س : ب م .
( 7 ) وقد مر ذكره في أثناء تفسير قوله تعالي« وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ . . . »رقم الآية ( 34 ) من سورة البقرة .
( 8 ) مكتوب ، ب س : مكتوبة ، م .
( 9 ) وموتكم بعدها ، ب م : وموتكم مدة بعدها ، س .