تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
قيل : أراد أن يحلفوا له باللّه عز وجل « 1 »
( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ )
جواب القسم ، أي لن أرسله معكم حتى تحلفوا باللّه أنكم تردونه إلي
( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ )
استثناء منقطع ، أي لكنكم تهلكون جميعا بسبب أو لكنكم تغلبون فلا تطيقون الاتيان به أو متصل ، أي تأتوني به في كل حال إلا في حال الإحاطة بكم بأن ينزل بكم أمر من السماء أو من الأرض فيعذركم أو مفعول له ، والكلام المثبت في تأويله النفي ، أي لا يمتنعون من الاتيان به إلا للإحاطة بكم فضاق عليهم الأمر ، فحلفوا كما أراد أبوهم
( فَلَمَّا آتَوْهُ )
أي أعطوه
( مَوْثِقَهُمْ )
أي عهدهم المؤكد
( قالَ )
يعقوب
( اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ )
[ 66 ] أي شاهد وحافظ .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ]

وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 )
( وَقالَ )
لهم وقت الخروج من عنده
( يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ )
إذا دخلتم مصر ، وقيل : من سكك مختلفة « 2 » ، قاله لئلا يصابوا بالعين ، وليس ذلك كالطيرة المنهية لأن النبي عليه السّلام كان يرقي من العين « 3 » ، لأن العين حق لما أنهم أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة « 4 » ، وقيل : يجوز أن يحدث اللّه عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصانا فيه ، ويكون ذلك ابتلاء من اللّه لعباده وليتميز المحقون بقولهم هذا من فعل اللّه عمن قال هذا أثر العين « 5 » ، وهو قول المعتزلة ، وبطلانه ظاهر لصحة الحديث في تأثير العين « 6 » ، وقيل : إنما قاله يعقوب لئلا يظن أهل مصر أنهم جواسيس « 7 » ، ولم يوصهم في الكرة الأولى بالتفرقة ، لأنهم كانوا مجهولين بين الناس ، ثم اشتهرهم أهل مصر بالقربة « 8 » عند الملك والتكرمة الخاصة ، ثم قال
( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ )
أي لا أنفعكم من قضائه إن أراد بكم سوء
( مِنْ شَيْءٍ )
سواء كنتم مجتمعين أو متفرقين ، لأن المقدر « 9 » كائن
( إِنِ الْحُكْمُ )
أي ما القضاء
( إِلَّا لِلَّهِ )
إن شاء أصابكم العين وإن شاء لم يصبكم ، وهذا تفويض يعقوب أمورهم إلى اللّه مع التأكيد بقوله
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ )
أي اعتمدت في كل حال لي
( وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )
[ 67 ] أي الواثقون باللّه .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 68 ]

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 )
( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ )
أي من السكك أو الأبواب المتفرقة ، وكانت أربعة ، وجواب
« لَمَّا »
محذوف وهو امتثلوا أمره أو الجواب
( ما كانَ )
يعقوب برأيه
( يُغْنِي )
أي يدفع
( عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ )
يعني أصابهم ما شاءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بها وأخذ أخيهم بوجدان الصاع في رحله ، فلم ينفعهم رأيه وهو تصديق اللّه يعقوب فيما قال
( إِلَّا حاجَةً )
استثناء منقطع على معنى
« لكِنَّ »
حاجة ومرادا
( فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها )
أي أظهرها لهم وتكلم « 10 » بها وهي شفقته عليهم إشفاق الآباء على الأبناء
( وَإِنَّهُ )
أي يعقوب
( لَذُو عِلْمٍ )
أي كان يعمل ويقول عن علم لا عن جهل
( لِما عَلَّمْناهُ )
أي لتعليمنا إياه أنه لا يصيبهم إلا ما أراد اللّه وقدره ، وعلم أيضا أن دخولهم من أبواب متفرقة لا ينفعهم من قضاء اللّه من شيء
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
[ 68 ] ما يعلم يعقوب ، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « لا يعلم المشركون ما ألهم اللّه أولياءه » « 11 » .
هامش
( 1 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 85 . ( 2 ) أخذ هذا المعنى عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 3 ) وهذا منقول عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 4 ) نقله عن البغوي ، 3 / 303 . ( 5 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 3 / 86 . ( 6 ) وهذا الحديث : « العين حق » . رواه البخاري ، الطب ، 36 ، واللباس ، 86 ؛ ومسلم ، السّلام ، 41 ، 42 . ( 7 ) هذا الرأي مأخوذ عن السمرقندي ، 2 / 169 . ( 8 ) بالقربة ، ب م : بالقربية ، س . ( 9 ) المقدر ، م : المقدور ، ب س . ( 10 ) وتكلم ، ب س : ويكلم ، م . ( 11 ) انظر البغوي ، 3 / 304 .